نادى أدب بورســعيد واحـةالأدب العربي التي تحتضن كل مشارب الفكر والابداع مستهدفة إرساء قيم الحريةوالحق والخير والجمال دون إسفاف أو ابتذال . من أبناء بورسعيد الى مصر والعالم العربي..
العمر : 50 سجّل في : 07 مارس 2008 عدد المساهمات : 51 الموقع : http://elbahaey.blogspot.com محمد المغربي :
موضوع: في خدمة الإبداع والمبدعين الأحد ماي 04, 2008 5:20 am
في خدمة الإبداع والمبدعين ورقة عمل مقدمة لمؤتمر ( الكاتب والمستقبل ) الذي ينظمه اتحاد كتاب مصر بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على إنشائه
ــــــ ورقة عمل مقدمة لمؤتمر( الـكـاتـب والمسـتـقـبل ) الذي ينظمه اتـحـاد كـتـاب مـصــر بمناســبة مرور ثلاثين عاماً على إنشائه . القاهرة ـ نوفمبر2005م قاسم مسعد عليوة
أولاً ـ تمهيد :
" في خدمة الإبداع والمبدعين "..
عنوان ، على أُلفته ، غريبٌ غير مطروق . قاسم مسعدعليوة
حين طُلِبَ إلى الباحث أن يكتب ورقة تحمل هذا العنوان ، لحظ بقدر وافر من الدهشة والأسى أن الموضوع ، على أهميته وعلو الأصوات المنادية بتهيئة الظروف المناسبة للإبداع العربي والمبدعين العرب ، قليلاً ما عولج عربياً بالشمول الذي يوحي به عنوان الورقة المطلوبة .
وقد ظن أنه لن يحتاج لغير قلمه ، يمده إلى معين خبرته بالموضوع ، الممتدة لنحو ثلاث وثلاثين سنة خلين، فيمتح منه ما يُعين على تقديم عرض متماسك وزاخر بالمطالب ؛ إلا أن الحيرة ما لبثت أن تقحمته لمجرد أنه فكر في أن يستهل الورقة بتأصيل نظري لموضوعها ، فقد خذلته المكتبة العربية ، ولم يجد ـ بمراعاة قيد الوقت ـ من المراجع قديمها وحديثها ما يستندُ إليه أو يستأنس به . نعم .. هناك إسهامات حيية تتعلق بالإبداع والمبدعين في : الفلسفة ، علم النفس، علم الاجتماع ، علم الجمال ، وفي النقد الأدبي أيضاً ؛ لكن ما يتعلق بالخدمات تحديداً ، فهو ما لم يتمكن من العثور عليه في أدبيات هذه العلوم ؛ الأمر الذي دفع به إلى علم الإدارة لاستدراك هذا النقص .
يضاف إلى هذا الخذلان اتصاف الصلة بين مفردات الموضوع بالسعة والتشعب، بحيث لا تحيط بها ورقة عمل في عدد محدود من الصفحات . فكل مفردة من مفردات الموضوع تضيق عنها جهود أي باحث ؛ كما تعجز عن الإحاطة بها قدرات من يجلسون إلى أية مائدة ، مهما اتسع قطرها وكثر عدد مقاعدها ، طالما تحددت سلفاً مدة النقاش حولها.
ولتضييق نطاق التناول قام بعملية ربط يسيرة بين عنوان الورقة ، الواسع الفضفاض ( في خدمة الإبداع والمبدعين ) ، وشعار المؤتمر ، وهو أيضاً واسع فضفاض ( الكاتب والمستقبل ) ، ليتحدد أفق الموضوع فلا يكون المبدعون إلا من داخل مجتمع الكُتَّاب ، ولا يكون الإبداع إلا في مجال الكتابة ، وكذا الخدمات الموجهة إلى الطرفين ، ويكون اتجاه الورقة اتجاهاً مستقبلياً .
ثانياً ـ إلمامة نظرية :
( 1 )
لم يتفق الفلاسفة والعلماء على تعريف محدد لماهية الإبداع ، ولا يطمح الباحث إلى تقديم / أو نقد الجهود التي بذلت من أجل تحديد هوية الإبداع ، فهو ما يخرج عن نطاق هذه الورقة ، لكنه سيعرض لما يمكن أن يقترب بالقارئ من الموضوع المتناول ؛ فالمشهور بين العموم أن الإبداع موهبة تم صقلها بالتدريب إلى درجة أو أخرى . واصطلح المجتمع على إرداف الذكاء والنبوغ والخيال والأصالة والابتكار والاختراع والعبقرية به . وفي الحقل الفلسفي هناك من يقول بأن الإبداع رؤية في شكله الإدراكي ، ومبادرة في شكله العملي ، وأن جوهره في الناحيتين هو التجديد . أي أنه باختصار رؤية ومبادرة وتجديد ( قرني ـ 1986 )(16) . وهناك من يصفه بأنه قدرة عقلية مركبة من عدد من القدرات كالطلاقة والمرونة والأصالة والتأليف (Guilford-1950)(17) ، أو من يربطه بالحدس لاسيما في مجال الفنون والتذوق الجمالي ، ارتكازاً على أن العمل الفني لا يدرك إدراكاً و يحس إحساساً ، وإنما يدرك وعياً ، لأن تحليل آلية الإبداع الفني تحليلاً منطقياً صرفاً أو من خلال الشعور والحس الداخلي ـ كما تُحلل الأحلام ـ أمر غير ميسور( بهنسي ـ 1986 )(6) .
ولغةً ، فإن الإبداع مشتقٌ من الفعل بدع الشيء وأبدعه وابتدعه أي أنشأه وبدأه ، والبديع والبدع هو الشيء الذي يكون أولاً ، والبديع والمبدع هو المخترع للشيء على غير مثال سابق كما جاء في الآية " بديع السموات والأرض " ( سورة الأنعام ـ آية 101 ) .
غير أن التاريخ والواقع في عالم الكتابة والكتاب يؤكدان على أن الإبداع بهذا المفهوم اللغوي ، أي إتيان الشيء على غير مثال سابق ، يندر وجوده ؛ فالكتابة ـ بل كل نشاط فكري إنساني ـ أشبه بالنهر الذي تتابع أمواجه فتتعاقب فيه المذاهب ويستفيد التالي من تجربة السابق بما يتعذر معه الفصل فصلاً حاداً بين هذا المذهب وذاك. ومحاولة الفصل هذه تعد اشتطاطاً قد يصل إلى حد الاستحالة( مكي ـ 2003) ( 19).
ومع هذا ، فإن الباحث ـ مشاركاً لكثيرين ـ يرى أنه لا إبداع ما لم يتم التخلص من أسر المفاهيم الجاهزة ، فالجاهز دائماً ما يجاوزه الزمن ، والعقل الإنساني قادر على إتيان هذه المجاوزة بقدرته على تكوين علاقات جديدة تتجاوز العلاقات القائمة ، فالإبداع إذن هو القدرة على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع ، وهذه العلاقات الجديدة ليس في الإمكان تكوينها من غير عقل ناقد لعلاقات قائمة ( وهبة ـ 1999) (21) .
ومثلما لا يوجد إبداع في الفراغ ، فإنه لا ينبع أيضاً من فراغ . وقد يرى البعض في الإبداع استجابة هادفة قصدية تقدم البديل ، وتُعيد تنظيم الموقف ، وتُعبئ الطاقات باعتباره ضرورة لازمة لاستمرار الحياة المنظمة ، ولاستمرار الذات الجمعية ؛ وتاريخ الحضارات يعطي الدليل الأوفى على أن الاستجابة الإبداعية هي وحدها التي توفر السيادة للحضارة ، وتسمح لها بالاستمرار ، أما اضمحلالها فلا يكون إلا حين تفتقر إلى نمط الاستجابة الإبداعية ( قرني ـ 1986 ) (16).
ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن الحَثَّ باتجاه التخلص من أسر المفاهيم الجاهزة ، وتنمية القدرة على إقامة علاقات جديدة من أجل التغيير، والاتجاه نحو الخلق المستمر للاستجابة الإبداعية ، أمور تتطلب تهيئة من المجتمع وخدمة مخصوصتين .
يتبع من فضلكم
محمدأسامة
العمر : 50 سجّل في : 07 مارس 2008 عدد المساهمات : 51 الموقع : http://elbahaey.blogspot.com محمد المغربي :
موضوع: رد: في خدمة الإبداع والمبدعين الأحد ماي 04, 2008 5:23 am
( 2 )
المبدع هو الذي يمتلك القدرة على المبادأة بالتخلص من السياق العادي للتفكير، ويمتلك نمطاً عقليا قادراً على التخييل والاستقصاء والاستكشاف والتحليل والتركيب والتأليف والتقييم . ويمكنه أن يفكر في نسق مفتوح يتميز بخاصية فريدة هي تنوع الإجابات المنتَجَة التي لا تحددها المعلومات المعطاة .
وثمة خصائص سلوكية وأخرى معرفية يتميز بها المبدعون ، وإن تفاوتت مستويات هذا التميز . من هذه الخصائص : الاستقلالية ، حب المغامرة ، المخاطرة ، الطاقة العالية ، حب الاسـتطلاع ، الميل إلى العمل المنفرد ، اسـتخدام جميع الحواس ـ باستثناءات ـ في الملاحظة ، الميل إلى الفن والجمال ، عدم الخوف من النتائج ، الانجذاب إلى الأمور الجديدة والمعقدة ، الاستعداد الكلامي العالي ، تحمل الغموض ، بعد الرؤيا ، التميز بالتفكير المجازي ، القدرة على التحول والتوسع في الحدود ، والتركيز على الإتقان ، الحساسية العالية للمشكلات ، التنبؤ ، الحدس ، والقدرة على رؤية أكثر من وجه في الأشياء ، ونقد الأفكار الغبية ، بالإضافة إلى التميز اللغوي والمعاناة الاجتماعية .
وذكر كلٌ من ( Smith – 1966) و(Torrance – 1981)(17) جملة خصائص سلبية تظهر لدى المبدعين مثل : عدم المبالاة بالتقاليد ، العناد ، حب السيطرة ، الاهتمام المتدني بالتفاصيل ، شرود الذهن ، السخرية ، عدم الرغبة في الواصل بالآخرين ، المزاجية ، الإفراط غي العاطفة والشعور ، الميل للغموض . ويذكر (Rank – 1981)(17) أن المبدعين يمتازون بتناقضات عصابية أحياناً . وليس أدل على هذا من أنه في علم النفس يتم التركيز على أوجه التشابه بين الإبداع والجنون من حيث أن كلاً منهما هو نقيض الحالة العادية ، وأن انبعاثات بداية كل منهما واحدة من حيث تنشيط المعرفة الأولية ، وإحياء وحدات لغة بدائية سبق كبتها أو إهمالها أو تأجيل التعبير بها أو حفظها أو تشويهها ودغمها ... الخ ( الرخاوي ـ 1986 )(3) . واستشهد باحثون بأسماءٍ لامعة في سماء الإبداع الغربي مثل : هولدرن ، نيتشة ، إدجار الان بو ، سترندبرج ، وغيرهم ممن كانت لهم اضطراباتهم وانحرافاتهم وعللهم النفسية أو العقلية . ومن العرب يذكر الباحث : مي زيادة ، إسـماعيل المهدوى ، نجيب سـرور ، ويوسف القط .
وأُجريت دراسات لموضوع الإبداع والمرض النفسي أو اضطراب الشخصية من أكثر من زاوية ، ووجد أنه صـحيح في حدود الأفراد الذين ينطبق عليهم هذا الوصـف ؛ أما في الأفق الإبداعي العام فقد انتهت دراسات عربية وأجنبية إلى أنه لا يمكن اعتبار المبدع مريضاً بأي مقياس ، بل هو ـ على العكس ـ يتمتع بدرجة عالية من الصحة النفسية والاتزان الوجداني والتفوق العقلي (Parron-1968) و ( سويف وفرج ـ 1971 ) و ( الملا ـ 1972) (7) . وأن محكات الإبداع لديه تتبلور في : قوة الأنا ، القدرة على التحكم في الانفعالات والأفكار ، القدرة على التنظيم الخاص للمادة الداخلية والخارجية في العمل الإبداعي ، القدرة على التواصل مع الآخرين ، والقدرة على تحويل السلبي إلى إيجابي ( عبد الحميد ـ 1993 )(11) ، أكثر من هذا ثبت أنه عندما يرتفع التوتر النفسي عن مستوى معين ، فإن الأداء الإبداعي ينخفض بشكل ملحوظ (Drwall -1978)(7) ، كما ثبت أن المبدع الحقيقي يعمل من خلال حالة جيدة من الصحة النفسية ، فالمبدع على قدر من الذكاء ليس أقل من المتوسط العام لمعظم الناس ، وقدراته الإبداعية متفوقة في نواحي الأصالة والطلاقة والمرونة وغيرها من النواحي ( حنورة ـ 1986) (7) .
ويتسم المبدعون المثقفون ـ حسب (Ray & Anderson) ـ بقدرتهم على الرؤية الشاملة للأمور ، وبوعيهم الاجتماعي المتطور ، واتصاف نظرتهم للمستقبل بالتفاؤل . وفوق هذا وذاك ، يمتلكون القدرة على النقد ، ويفعلون ما بوسعهم من أجل إعادة بناء القيم والواقع المادي وتغيير البناء الداخلي للمجتمع . وهم بتوزعهم على أجناس ومستويات تعليمية ومادية وثقافية مختلفة قادرون على إحداث تغيير ثقافي مؤثر أكثر من مساهمتهم في السياسات المنظمة ، إلا أنهم يحتاجون إلى دفعهم باتجاه إدراك مدى قوتهم التضافرية ، وقدراتهم على حل المشكلات المحيطة بهم .
وإذ يضع الباحث المبدعين من الكتاب في زمرة المبدعين من المثقفين ، يرى أن المبدعين من الكتاب العرب يثيرون عدداً من المشكلات المتصلة بمدى قدراتهم على القيام بوظائفهم في مجتمعاتهم على الوجه الصحيح ، وبمراعاة الاستثناءات المتناثرة هنا وهناك فإن سوادهم الأعظم موزع بين: فصيل ـ غير هين حجمه ـ ارتبط على مدى القرنين الماضيين ، وحتى الآن ، بالقوى المهيمنة سواء كانت أجنبية غازية أو محلية باطشـة ؛ فصيل اجتر إبداعات الأمم المتقدمة واكتفى من عملية الإبداع بإفراز ما اجتره في صورة عربية ؛ وآخر حَصَرَ إبداعه في التوشيات البلاغية فقدم أرديةً بلا جسوم ، وقشوراً بدون لباب ؛ الأمر الذي أدى إلى حدوث انفصال حاد بين حركة الإبداع في مجال الكتابة وجوهر الإبداع ذاته . ويضاف إلى ما تقدم أن المبدعين من الكتاب العرب وتنظيماتهم الهشة ـ والاستثناءات دائماً موجودة ـ يفتقدون، فعلاً لا قولاً ، ما يدفعهم باتجاه إدراك مدى قوتهم التضافرية ، وأهمية أن يعملوا على حل مشكلاتهم المجتمعية . ويشاركهم في تحمل التبعة المجتمعُ بأسره ، لأنه غَفَلَ ـ مُكرهاً أو غير مكره ـ عن دعم وتعزيز مبدعيه .
إنَّ طرحَ سؤال مركب من نوعية ماذا قدَّم المبدعون من الكتاب العرب لمجتمعاتهم ، وماذا قدمت المجتمعات العربية لمبدعيها من الكتاب ، لكفيل ـ على بساطته ـ بتدويم رواكد عطنت من فرط سكونها وإزاحة أتربة طال تكلسها ، ووسط الرذاذ والعُجاج سيشير الكل باتجاه الكل متهماً إياه بالتقصير في حقه ، والإحجام عن تقديم الخدمات اللازمة له .
( 3 )
تتميز الخدمة بأربع صفات أساسية ، حسبما ورد في أدبيات علم الإدارة ، اختصارها فيما يلي :
عدم التجسيد المادي : فالخدمة غير ملموسة ، ولا يمكن إدراكها بالحواس ، ومن ثم لا يمكن عرضها أو نقلها أو تعبئتها أو فحصها قبل تقديمها . الفناء : إذ لا يمكن تخزينها ، ومن ثم فإن الطاقة الفائضة لا يمكن تأجيل استخدامها من وقت معين إلى وقت آخر ، وعلى مقدمها أن ينظم استخدامها ما أمكن وفقاً لاحتياجات الطلب . التلازم : فالخدمة تتلازم مع مقدمها من حيث المهارة ، والقدرة على إنتاجها بالكميات والمواصفات المحددة ، كما تتلازم الخدمة واحتياجات مستهلكها . التنوع : فجودة الخدمة تتنوع تبعاً لتنوع ظروف تقديمها ، مما يعني صعوبة تنميطها وصعوبة فرض الرقابة عليها ( Zeitmal – 1985) و (عطية ـ 1988 ) (13).
وأضاف إليها (Surprenant – 1987) و (Cowell – 1988) (13) صفة أخرى هي عدم القابلية للامتلاك ، فمن تُقدم له الخدمة ويقبلها ينتفع بها ولا يملكها .
وقد نال عدم التجسيد المادي للخدمة قدر من الاهتزاز نتيجة لتصنيع الخدمات . وما الخدمات التي يحتاج إليها الإبداع والمبدعون ببعيدة عن مضمار التصنيع ، فقد طالت الثورة التكنولوجية كل شيء ، ولم تقف في تأثيرها عند حدود النشاط البشرى، وبناء المجتمعات ، وإنما طالت أيضاً الذات الداخلية للإنسان (Ivasheva-1978)( 5).
ولم تشذ الخدمات التي يحتاج إليها الإبداع والمبدعون عن غيرها ، فقد طالت عمليات النسخ الميكانيكي بالصور والأفلام والتسجيلات وإنتاج الكتب ، وغيرها من المنجزات التكنولوجية ، هذه الخدمات . بل إن تأثر هذه الخدمات كان عظيم الشأو ، ليس فقط بالمنجزات التكنولوجية المتواترة ، وإنما أيضا بعلاقات السوق المترادفة معها ، وبآلـيات التحـكم الرأسـمالي فيها . وقد بـلغ هذا الـتأثر حـداً ظهر معه ما أُُطلق عليه " نـظام الاسـتغلال الجمالي " (Herman -1997)(20) فالأساس المنطقي للتكنولوجيا هو الأساس المنطقي للسيطرة نفسها . وطبيعي والأمر هكذا مع الخدمات المتصلة بالإبداع أن يخضع الإبداع ذاته للسطوة التكنولوجية ، وأن تخضعه هذه التكنولوجيا لعمليات النسخ والتكرار ثم تقوم ، بفعل من آليات التحكم الرأسمالي ، بتسليعه وتحويله إلى سلعة تخضع لقانون العرض والطلب شأنها شأن سائر السلع .
واستهلاك الخدمة في مجتمع المبدعين من الكتَّاب ـ شأنه شأن الاستهلاك عموماً ـ هو جزء من عملية إنتاج الخدمة ذاتها، فمخرجات الخدمة يجب أن تتواءم واحتياجات المبدعين . وقد يكون من المفيد الالتزام بصعود هرم ماسلو المدرج .. درجة فدرجة .. بحيث لا تُقدم الخدمات المطلوبة لتحقيق الذات ( أعلى درجات الهرم ) قبل تقديم الخدمات اللازمة لإشباع الحاجات الأساسية ( أدنى درجات الهرم ) . والمبدع مشارك في إنتاج الخدمة المقدمة له ولإبداعه بتحديده لمواصفاتها . بل قد يصل به الأمر إلى أداء دور إنتاجي استهلاكي مزدوج ، إذا ما انخرط في الحركات والتنظيمات الضاغطة ، أو في الجماعات الهادفة إلى إنتاج وتبادل المنافع ، ومثل هذه الحركات والتنظيمات موجود بشكل ملحوظ ـ بدرجة أو بأخرى ـ في مجتمعات المبدعين من الأدباء والفنانين .
من هذه الزاوية ـ زاوية جدل العلاقة بين إنتاج الخدمة واستهلاكها ـ قد يُنظر إلى المبدعين من الكتَّاب على أنهم أعضاء في طبقة اجتماعية محددة ، باعتبارهم مجرد وظائف أو تأثيرات متصلة بالبنية الاجتماعية . صحيح أن كثيرين منهم ينظرون إلى أنفسهم كأحرار ، منفردين ، مستقلين بأنفسهم ، ومتجددين ذاتياً ؛ ولا يجدون ـ في ذات الآن ـ غضاضة من الاستسلام لقيود الوظائف المجتمعية ما دامت آلية الإنتاج والاستهلاك هذه ما تزال قائمة ، ومنهم من يبالغون في إضفاء هذه الصفات على أنفسهم إدراكاً منهم أنه ما دامت هذه الوظائف مرتبطة ببنية المجتمع ، فالوظيفة ثابتة وهم زائلون أو منزاحون، فيقاومون هذا الزوال القائمة أسبابه أو الإزاحة محتملة الوقوع بتعظيم مكاناتهم والمبالغة فيما يعتقدونه في أنفسهم ، ومن ثم يضخمون من حجم الخدمات التي يطالبون المجتمع بتقديمها لهم ؛ إلا أنه في المقابل هناك مبدعون لا يشعرون بأنهم مجرد وظائف لبنية اجتماعية يمكنها أن تمضي بهم أو بدونهم ، فثمة علاقات وثيقة العرى تجمعهم والمجتمع والعالم بأسره . علاقات تمنحهم الإحساس بالمعنى والقيمة ، وتمكنهم من التصرف بطريقة قصدية ، فكأن المجتمع بنية شخصية بالنسبة لكل منهم ، أو ذات تخاطبه هو وتعترف به هو وتقول له أنه ذو قيمة ، وبذلك تحيله إلى ذات حره مستقلة ( Eagleton – 1988) ( 4).
ولن تكون علاقة المبدعين من الصنف الأخير ، على هذه الدرجة من الحميمية بالمجتمع وبالعالم ما لم يُدرك المجتمع ، من تلقاء نفسه ، أهمية إشباع حاجاتهم الأساسية وغير الأساسية عبر الأنساق الاجتماعية التي ينتمون إليها أو يعبرونها لئلا تضعف الدافعية باتجاه فرض السلوك الإبداعي .
ولا توجد ـ في زعم الباحث ـ فواصل واضحة وضوحاً كافياً تُمكِّن من التمييز بين نوعية الخدمات المطلوبة لكل من الإبداع والمبدعين . قد يجتهد فيصف الخدمات التي يحتاجها الإبداع بالعمومية ، وفي المقابل يصف الخدمات التي يحتاجها المبدعون بالخصوصية . وقد يُوغِل فيَصِل ـ أو يُدْخِل ـ الخدمات العامة اللازمة للإبداع بالمحيط الحيوي للعملية الإبداعية ، ويربط الخدمات الخاصة بالمبدعين بإشباع حاجاتهم المتدرجة بشكل متعين ، لكن الأمر يظل في دائرة الاجتهاد ، فالخدمة ـ كمصطلح اجتماعي ـ تستخدم لوصف عدد متنوع من الطرق المُنَظَّمَة للمساعدة ( الجوهري ـ 1980)(2) وهذا التنوع متداخل إلى حد طمس الفواصل التي ربما لم تتواجد أصلاً ، فعلاقات التأثير والتأثر مضفورة بين الإبداع والمبدع على هيئة يصعب معها فتل مخرجات ومدخلات الخدمات الموجهة لكل منهما وفصلها عن بعضها البعض لعضوية علاقات الجدل فيما بينهما.
يتبع من فضلكم
محمدأسامة
العمر : 50 سجّل في : 07 مارس 2008 عدد المساهمات : 51 الموقع : http://elbahaey.blogspot.com محمد المغربي :
موضوع: رد: في خدمة الإبداع والمبدعين الأحد ماي 04, 2008 5:24 am
ثالثاً ـ خدمات على وجه العموم :
( 1 )
الحرية هي المحيط الحيوي الذي يشمل ـ فيما يشمل ـ الإبداع والمبدعين ومتلقيي الإبداع والخدمات الموجهة لكل طرف . ومع أنه من الخطأ بمكان تضييق نطاق هذا المحيط بقصره على الحرية السياسية وحدها ، وإغفال المكونات الثقافية والحضارية لهذا المحيط ، فإن مجتمعاتنا العربية ما تزال تبالغ بالتركيز على الجانب السياسي حتى انقلب إلى حجاب ( سعيد ـ 2003 )( . وما تزال هذه المجتمعات تبرر تهافت دورها الإبداعي بغياب الحرية السياسية ، مع أنه لا توجد حرية سياسية كاملة في العالم كله ، ولا تلازم وثيق بين الإبداع والحرية . نعم هناك ثمة تلازم ، لكنه ليس تلازماً وثيق العرى إلى الحد الذي يؤدى غياب أحدهما إلى غياب الآخر؛ فالحرية تتطلب النضال ، والإبداع ـ على الأقل في مجال الكتابة ـ هو أداة من أدوات هذا النضـال ، ويسـتدل على هذا من وجـود بلاد حـرة من دون إبـداع حقيقي ، وأخـرى - مثل تلك الموجودة في أميركا الجنوبية - إبداعها أكثر غنى وتنوعاً ، مع أن الاستبداد طال فيها كل شيء ، وأول ما طاله فيها هو الحرية السياسية .
وفي مجتمعاتنا العربية تتحالف السلطة الاستبدادية لأنظمة الحكم والسلطة الدينية غير المستنيرة ( ثمة قوى دينية مستنيرة ترى في الدين قوة دافعة للتقدم والرقي ) التي تتمتع بالاستبداد نفسه فتغيب فاعلية الدساتير ويهمل مبدأ الفصل بين السلطات. وللتدليل على خطورة التحالف بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني غير المستنير يُذَكِّر الباحث بواقعتين حدثتا في الثلث الأول من القرن الماضي بمصر ، الواقعة الأولى تتعلق بما حدث للشيخ علي عبد الرازق فقد تعطلت عالميته بسبب التحالف السياسي الديني ، في حين أن الدنيا قامت بالفعل مع طه حسين في الواقعة الثانية ، لكنها عادت فقعدت ، ولم يحدث له ما حدث لعلي عبد الرازق لأن العلاقة بين السلطتين كان قد أصابها بعض التفكك (صالح ـ 2003)(10) . والسلطة الدينية غير المستنيرة ليست بالضرورة سلطة مؤسسية تحظى بالاعتراف الرسمي ، بل إن ضراوتها قد تفوق ضراوة السلطة الرسمية . والأمثلة الدالة على ضراوة الممارسات القمعية ضد الإبداع والمبدعين من قبل هاتين السلطتين كثيرة ، والشواهد في جميع الأقطار العربية لا حصر لها ، وإنْْ برزت في كلٍ من الجزائر ومصر ولبنان والعراق والكويت. إن سيادة هذا المناخ الاستبدادي هو الذي ساعد ، مع ظروف وملابسات أخرى ، على ارتداد مبدعين ومثقفين كبار كان مشهوداً لهم بالدفاع عن الحرية التي لا انطلاقات إبداعية بدونها بعدما تم ترويضهم أو ترويعهم وشل حركتهم ( حالة المصري د. سيد القمني ليست ببعيدة ) .
ويقع عبء مناضلة هذا الاستبداد بالدرجة الأولى على عواتق المبدعين العرب وفصائل المثقفين المستنيرين في الدوائر الأوسـع المحيطة بهم . وقد يصبغ هذا النضال بالصبغة السياسية أو ينحى ناحية دينية ،أو أخلاقية ، .. إلى آخر هذه المناحي. والأساليب أيضاً تتعدد فقد تكون ذات طابع جبهوي أو تكتلي أو انفرادي .
وغير الحرية السياسية والحرية الدينية توجد حريات عديدة ، كالحرية الفردية والحرية الاجتماعية القائمة على جدل علاقات التعاون والتنافس ؛ والحرية النفسية المتصلة بالقدرة على التحرر من المعـوقات الداخـلية التي تعرقل التفاعل مع الآخرين وعلاقة هذا بالغرائز وبالفعل المنعكس الشَرْطِي ؛ والحرية الخلقية المتصلة حيناً ـ المنفصلة أخرى ـ بعلاقات التكيف مع القيم والمثل المجتمعية وبالنواحي النفعية والضميرية ؛ والحرية الميتافيزيقية التي تتناول الأفكار والتصرفات من زاوية الحتمية والاختيار( أسعد ـ 1968) ( 1) . هو عالم متداخل من الحريات ، جميعها لازم للإبداع وللمبدعين ، ومتصل ـ بدرجة أو بأخرى ـ بأمرين لا يمكن تفادي أيهما : الاقتصاد والحتمية التاريخية . وتوفير هذه الحريات وممارستها جميعاً أمر لازم للإبداع .
ومع ضراوة النضال على الساحتين السياسية والدينية، فإن الإبداع في المنطقة العربية يحتاج إلى اقتحام ميادين نضالية أخري ، لا حرية أو إبداع حقيقيين بدونها ، فلابد من تخفيف السطوة الإدارية ، ومن الضروري محاربة الخرافة والأمية بأنواعها : هجائية وثقافية وتكنولوجية . ولن يكون هذا بغير ترسيخ أركان مجتمع المعرفة والعلم ، وجعل ثقافة التنوير هي ثقافة الخاصة والعامة ، النخبة والجماهير . وحدوث هذا يتطلب تقليب التربة العربية وتنقيتها من كل ما يحول دون امتداد وتجذر نبت الإبداع فيها . وبما أن الإبداع هو المدخل للحضارة ، فقد آن الأوان لتغيير مهارات التفكير عند العرب بما يؤدي إلى التطور والنمو دونما التعرض للذوبان في المائع والشائع والمشوه من حضارات الغير .
الحرية إذن هي المحيط الحيوي لكل أطراف العملية الإبداعية . وما ذُكر هو بعض من مكونات هذا المحيط . والمكون في حد ذاته ليس بخدمة ، إنما الخدمة تكون بتهيئة هذا المكون ، وتوفير فرص نموه واستمرار بقائه.
وعلى سبيل المثال ، فإن تهيئة الظروف للتخفيف من قسوة السطوة الإدارية ، وهي من الخدمات التي يحتاجها الإبداع على وجه العموم ، تتطلب فك الحصار التشريعي وإيقاف التغلغل الشُرَطي . ولعل ما يتعلق بأجهزة الشرطة العربية أكثر خطورة على الإبداع من الحصار التشريعي العربي ؛ فالتشريعات والقوانين التي تتمترس وراءها الإدارات العربية تستند إلى نصوص محددة ، ومن الممكن ـ بشكل أو بآخر ـ محاكمة من قام بسنها ومقاومة النص بالنص ، أما التغلغل الشُرَطي فيجمع إلى الاستناد النصي سلوكيات لا معيارية ترتكز على منطق القوة ، وسندها النصي الرئيسي هو قوانين الطوارئ ومجموعة من القوانين التي تيسر لها العمل بسفور وبشكل مباشر على وأد الإبداع . ومن أمثلتها : المطبوعات ، المصنفات ، إنشاء الجمعيات والروابط والنوادي ، الحراسات ، التجمهر، الأحزاب السياسية ، محاكم أمن الدولة ، والمحاكم العسكرية . ومن هذه القوانين ما يحمل أسماء مضللة وهي، شأنها شأن القوانين السابق ذكرها ، قوانين معطلة للحريات مثل قوانين : الحريات ، حماية الجبهات الداخلية والسلام الاجتماعي ، سلطة الصحافة وهكذا .
( 2 )
بدون الربط بين العملية التعليمية والإبداع فلن يتمكن العرب من جعل الإبداع سمة عامة في مجتمعاتهم . وكي يحدث هذا فلا بد من النظر إلى الإبداع كمحور للمهارات التعليمية ، لا أن يوضع في نهاية سلم المهارات اللازمة لها . فإن حدث هذا ، وتحقق على صعيد التطبيق العملي تغيرت المهارات التقليدية ، بل تغيرت أساليب التدريس وأساليب تأليف الكتب والتقويم .. وهكذا ؛ أما إن تم الاكتفاء بوضع الإبداع في نهاية سلم المهارات التعليمية فيعني هذا أنه سيماثل الزائدة الدودية التي ليس لها علاقة جوهرية مع باقي الجسم ( وهبة ـ 1999 ) (21) .
وواقع الأمر أن التعليم في المجتمعات العربية يعاني من لا ديموقراطية نظمه وأساليبه، فعلى الرغم من شيوع المجانية فهناك العديد من الممارسات التي تهدم تأثير هذه المجانية مثل : طبقية التعليم والتفاوت الحاد في تقديم الخدمة التعليمية من طبقة لأخرى ، اتساع دوائر الدروس الخصوصية ، الفروق الواضحة بين مستويات التعليم في الريف ومثيلتها في الحضر، بل إن هذه الفروق متواجدة بشكل سافر بين حي وحي آخر داخل المدينة الحضرية الواحدة . كما يعاني من الازدواجية ، فثمة تعليم ديني يقابله تعليم مدني ، وتعليم باللغات الأجنبية يقابله تعليم باللغة العربية ، وتعليم للنخبة وآخر للعامة ، بل هناك في دول الخليج ـ على سبيل المثال ـ تعليم للعرب المقيمين وآخر للعرب الوافدين . والتلقين واحد من أهم المثالب الملتصقة بالتعليم في المجتمعات العربية مما رسخ لدى طلاب العلم التفكير أحادى الاتجاه ، والتلقي دون مناقشة أو نقد ، وتكريس الطاعة كنموذج واجب الاحتذاء الخروج عليه يُعد انحرافاً يستوجب العقاب . ويضاف إلى هذه المثالب افتقاد البحث العلمي للفاعلية وانفصال نظم التعليم عن مطالب السوق ( علي ـ 1995 )(19) .
وتتضافر هذه المثالب مع مثلب عام ، يسود نظم التعليم في سائر الدول ، وهو المثلب المتعلق بالتناول الذرائعي النفعي للمعرفة من خلال الإفراط في التخصص العلمي مما يحول دون تنمية التفكير النقدي الذي يمكن المتعلم من قراءة العالم قراءة ناقدة ، ويعطل فهم الأسباب والترابطات التي تكمن وراء الحقائق ، ويؤدي إلى استئناس الوعي وخلق كائنات بشرية منعزلة غير قادرة على الربط بين مسارات التدفق المعلوماتي ( Freire – 1998 ) (15) .
وفي إطار من الإشكاليات المتعلقة بالأنظمة العربية والديموقراطية الغائبة عنها ، والبيروقراطية الضاربة بجذورها في أعماقها ، يظهر الاتجاه المتنامي نحو بناء الخطاب التعليمي العربي على أسس من التنافس وخصخصة المدارس والسماح لرجال المال والتجارة بإقامة الجامعات والمعاهد التعليمية العليا ، مما يعني اتجاه هذه الأنظمة إلى التخفف من أعباء التعليم المجاني وإن أخلت بمبدأ تكافؤ الفرص . وما من شك في أن تداعيات تنامي هذا الاتجاه لن تمس الأنظمة الحاكمة وحدها وإنما ستمس - أيضا ـ المجتمعات العربية في الصميم . وما من مجتمع يتخلى عن مسئوليته العامة ، لاسيما في مجال التعليم ، إلا كان مجتمعاً مأزوماً مضطرباً ، وما أسرع ظهور علامات الإفلاس الفكري والإبداعي عليه .
ولأنه من الضروري إكساب الطلاب المقدرة على الفعل والثقة بالنفس وتزويدهم بمصادر القوة وتهيئة أجواء الإبداع لهم ، فإنه من الضروري بمكان التخلص من المثالب السابق ذكرها ، وإصلاح كل ما يتعلق بالديموقراطية التعليمية ، ورفض الذهنية البيروقراطية ، جنباً إلى جنب تحفيز دوافع التطلع المعرفي والقدرة على الإبداع ، والابتعاد عن الاختزال العلمي ، والتشجيع على المغامرة والمخاطرة التي هي من لوازم الإبداع والابتكار؛ واعتبار التعليم مسئولية مهنية تتطلب الجدية الفكرية الدائمة ، مع الإعداد الجيد والتدريب المستمر للمعلمين ، وحثهم على مشاركة تلاميذهم حبهم للاستطلاع بحيث يتوحدون معهم فيما يتوقون إلى معرفته ، وألا تنصب جهودهم التعليمية على ملء أذهانهم بما يلقنونهم إياه ، مع الابتعاد عن لعب الأدوار السلطوية أو الوالدية ( تزمتاً وتسيباً ) ، وتبني فلسفة تعليمية ترى في الطلاب مشاريع إبداع مستقبلي . وعند تقييم أداء المعلمين يجب ألا ينصب هذا التقييم على أشخاصهم وإنما على ممارساتهم ، وأن يكون الاهتمام بتحسين الأداء قبل إنزال العقاب . فإن حدث هذا تكون حزمة من الخدمات ، التي لا غنى عنها لتهيئة أجواء الإبداع ، قد تحققت في المجتمعات العربية .
يتبع من فضلكم
محمدأسامة
العمر : 50 سجّل في : 07 مارس 2008 عدد المساهمات : 51 الموقع : http://elbahaey.blogspot.com محمد المغربي :
موضوع: رد: في خدمة الإبداع والمبدعين الأحد ماي 04, 2008 5:26 am
( 3 )
لن تتحقق الإفادة من الإبداع ما لم تكتمل دائرته بالجمهور ، وهنا تأتي وظيفة الإعلام . وثمة خطأ يقع فيه كثيرون من المبدعين العرب بظنهم أنه يكفيهم عناءً قيامهم بأعباء الإبداع ، وأنه ما على الإعـلام ـ عربي وغير عربي ـ إلا أن يقوم بواجبه بتتبعهم في إبداعـهم ، وأن يلبي حاجاتهم كمبدعين قبل أن يلبي حاجات الجمهور متناسين أو غافلين ـ سهوا أو عمداً ـ أهمية مهارات الاتصال والعرض لإبراز النشاط الإبداعي من ناحية ، وأن إشباع حاجاتهم عن طريق الإعلام يتأثر بالدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في عملية الإبداع ذاتها من ناحية أخرى .
وتمتد علاقات التأثير والتأثر إلى الإعلاميين أنفسهم ، فتنمية قدراتهم رهن بتعاملهم مع المُنْتَج الإبداعي كماً وكيفاً . ولقد أفاد الإعلام من الإبداع الشيء الكثير، فالأدوات السمعية والبصرية والسمع بصرية والوسائل المحفزة على التفكير وإعمال الخيال والمهارات اللازمة لاستخدامها كلها من نواتج الإبداع ، الأمر الذي يعطي الدليل على أن علاقات الأخذ والعطاء قائمة ومستمرة بين الإبداع والإعلام . وإنْ حدث وكان المُنْتَج الإبداعي قليلاً أو غير ذي أثر ضعفت قدرات ومهارات الإعلاميين . وفي المقابل يتأثر الإبداع ـ بصورة أو بأخرى ـ بطبيعة المشكلات والظروف التي يواجهها الإعلاميون ، سواء كانت هذه الظروف اقتصادية أو اجتماعية أو حتى وظيفية ، فإن كانت هذه المشكلات من القوة بحيث تمثل قيداً على أدائهم ، فإن الحديث عن رفع قدراتهم وتوجيهها نحو الارتقاء بالإبداع والمبدعين عن طريق الخدمات الإعلامية يُعَدُّ رفاهية لا دعائم لها .
وقد لا يغالي الباحث إن قال بعدم وقوف دور الإعـلام عند حدود النشـر والإيصـال ، وتعديه هذا الدور إلى المشاركة في الإبداع ذاته عن طريق ما يعرف في نظرية الاتصال بالتغذية العكسية أو المرتدة . وطبيعي أن يكون لهذه المشاركة سماتها الخاصة من حيث الشـكل والمحتوى ، وأن تختلف هذه السـمات ـ كليا أو جزئياً ـ باختلاف وسيلة الإعلام المستخدمة .
ويضاف إلى هذا أن الإعلام في حد ذاته مجال هام من مجالات السياق النفسي الاجتماعي المحيط بالفرد عبر مراحل ارتقائه المختلفة ، فمثله مثل الأسرة أو جماعة الأصدقاء والأقران ، أو المدرسة ، أو جماعة العمل ، يؤثر في الفرد ويكسبه ضروب سلوك معينة . ومن هنا تعظم إفادة الإبداع من الإعلام . وهناك مستويات ثلاثة لهذه الإفادة هي على التوالي : تدعيم الاتجاهات والاهتمامات ، إحداث تغيير في مكونات الاتجاه ( المعرفة ، الوجدان ، القصد ) ، ثم إحداث التغيير في السلوك ، ويحدث هذا التغيير، غالباً ، نتيجة تراكم التعرض للاستمالة ( شحاتة ـ 1995 )(9) .
والإعلام العربي يعاني ، ليس فقط من تواجده في بيئة موزعة بين قطاعات تقتات على الماضي أو تجتره وأخرى مستلبة ومخترقة إعلامياً وقيمياً ، وإنما أيضاً من فقر شديد يصل إلى حد الإدقاع في المعلومات المتاحة له ، ومن عدم التوازن في تدفقاتها ، ومن احتكار الدول المتقدمة لتكنولوجيا الإعلام ، ومن الافتقار إلى الكوادر المؤهلة إعلامياً ، ومن ارتفاع أسعار مدخلات صناعة الإعلام ( أوراق ، أحبار ، أفلام ، أجهزة ..الخ ) . كما يعاني من انتفاء وجود وكالات أنباء مستقلة، أو على الأقل تتمتع بقدر نسبي من الاستقلال عن الحكومات والأنظمة القائمة . ويضاف إلى صور المعاناة السابق ذكرها ـ وهي قليل من كثير ـ سطوة الرقابة بقيودها الصارمة ، والمركزية الإعلامية الشديدة ، وفقدان الضمانات التي تكفل حرية إبداء الرأي ، فضلاً عن أنه إعلام ذو اتجاه واحد غالباً ، وقلما يكون هناك طريق سهل أو سريع للقارئ أو المشاهد أو المستمع ، لكي يرى أو يسأل أسئلةً أو يتلقى إيضاحات إذا هو احتاج إليها( علي ـ 1995 ) (19) ؛ و في سعيه لاجتذاب أكبر عدد من الجمهور يتوجه هذا الإعلام عادة إلى نقطة متوسطة افتراضية ، ومن ثم لا يُعنى كثيراًً بتقديم الإبداع لجمهور غير مهيأ لاستقباله وتتطلب تهيئته جهداً ووقتاً وإنفاقاً. ولا تنحصر النتيجة في وقوع الإعلام العربي في براثن ما يمكن تسميته بالتطرف الإعلامي فقط ، وإنما تمتد أيضاً إلي تهميش الإبداع والإضعاف من بنيته ومن ثم إفقاده قوة تأثيره .
ومن أسباب هذه المعاناة ما يعود إلى القصور الإداري ، وهذه من الممكن إزالتها، أو على الأقل التخفيف من حدتها ، إذا ما أُُريد للإدارة الإعلامية أن تتسم بالرشد، وذلك بالرجوع إلى أساليب الإدارة العلمية المتعارف عليها ، وهي عملية ليست بالسهلة في مجتمعاتنا العربية ، لكنها ممكنة .
الصعوبة تكمن في خلق الأجواء التي تساعد على تنمية الإبداع وتوثيق العرى بين الإعلام وبينه ، فهنا تتداخل عوامل ومتغيرات عديدة في شكل شبكي هائل التعقيد ، منها ما هو داخلي وما هو خارجي ، ما هو ديني وما هو مدني ، ما هو تراثي وما هو عصري ، ما هو مادي وما هو معنوي ، ما هو سلطوي وما هو شعبي ، ما هو نخبوى وما هو جماهيري ، ما هو تكنولوجي وما هو فكري ، ما هو أمني وما هو إداري .. الخ . وقد بلغ من تداخل هذه العوامل والمتغيرات حداً جعل التعامل معها أمراً شديد العسر ، وأصبحت محاولة الإجابة على سؤال " من أين نبدأ ؟ " مشكلة في حد ذاتها .
ودونما إفاضة في استعراض هذه المحاولات ، الأمر الذي قد يخرج بالبحث عن نطاقه ، ينتصر الباحث للداعين ـ أولاً وقبل أي شيء ـ إلى : إطلاق حرية تداول المعلومات في المجتمعات العربية ، فإهمال المعلومات لا يؤدى فقط إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية كما ذهب البعض ( عبد الهادي ـ 1984 ) (12)، وإنما أيضاً إلى تدهور البنية الإبداعية في هذه المجتمعات . وإطلاق حرية تداول المعلومات يتطلب إلغاء القوانين التي تحجب بعض المعلومات ـ باستثناء المتعلق منها بالدفاع الوطني ـ وإسقاط الإجراءات التي تعرقل حرية انسيابها والتداول الحر لها ، تطبيقاً للمبدأ الذي أقرته عشرات المواثيق الدولية والإقليمية الصادرة عن هيئات ومنظمات حكومية وغير حكومية ؛ وإلغاء أشكال الرقابة على النشر والبث والتداول بما يضمن حرية الإبداع ؛ وتمكين التيارات الفكرية والسياسية من ممارسة حرية التعبير عن نفسها عبر وسائل الإعلام المختلفة ، لاسيما الجماهيرية منها ، وتخفيف قبضات أنظمة الحكم العربية عن هذه التيارات ؛ إنهاء حالات الطوارئ وإلغاء القوانين الاستثنائية في الدول العربية جمعاء بما تفرضه من قيود علي حرية الإبداع ؛ التنسيق المتكامل بين مؤسسات الإعلام ومثيلاتها التعليمية والتربوية والتثقيفية ؛ والاستفادة من تكنولوجيا الحاسبات الإلكترونية الشخصية في توفير إمكانية الاتصال ببنوك المعلومات الموزعة على أنحاء العالم للحصول على المعلومات المتخصصة ، وإتاحة تقاويم الأحداث المحلية والعالمية ، ومعروضات المتاحف ، وفهارس المعلومات والأخبار التي يحتاجها الفرد أو تحتاجها الأسرة ( مكاوي ـ 1993 ) (1 .
ويدعو الباحث جامعة الدول العربية ، باعتبارها جامعة حكومات ، لحث أعضائها على إعادة النظر في السياسات الإعلامية في كل قطر عربي ، والربط بين هذه السياسات والإبداع ، بحيث يصبح الإبداع هو لب ولحمة العملية الإعلامية ، مع الأخذ بمزايا اللامركزية والتخلص من مساوئ المركزية في تطبيقاتها . كما يدعوها ـ من خلال إدارتها العامة لشئون الإعلام ـ إلى مطالبة ، اتحاد إذاعات الدول العربية ، اتحاد وكالات الأنباء العربية ، الاتحاد العام للصحفيين العرب ، المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية ( عربسات ) ، والشركة المصرية للقنوات الفضائية (النايل سات ) ، بتدعيم الشخصية المستقلة للمنظمات الإعلامية ؛ وعدم وضع العراقيل أمام إنشاء منظمات إعلامية جديدة ؛ وبذل جهود أكثر لتحقيق أكبر قدر من التنسيق فيما بين القائم منها حالياً ، سواء في المجال الإعلامي المعين أو في المجالات الإعلامية كلها؛ والعمل على استكشاف جميع فرص الاستفادة من التقدم التكنولوجي لاسيما فيما يتعلق بتكنولوجيا الطباعة والأقمار الصناعية وبنوك المعلومات وقواعد البيانات السمعية والبصرية والسمع بصرية؛ والحث على انتهاج أساليب الإعلام التفاعلي بما يكفل تهيئة الأجواء لبزوغ حركة إبداعية إيجابية .
يتبع من فضلكم
محمدأسامة
العمر : 50 سجّل في : 07 مارس 2008 عدد المساهمات : 51 الموقع : http://elbahaey.blogspot.com محمد المغربي :
موضوع: رد: في خدمة الإبداع والمبدعين الأحد ماي 04, 2008 5:29 am
رابعاً ـ خدمات على وجه الخصوص :
على خلفية من إلحاح الحاجة إلى توفير الخدمات التي يتطلبها الإبداع على وجه العموم ، تتميز الخدمات التي ينبغي توفيرها على وجه الخصوص للمبدعين من الكتاب العرب بأمرين متلازمين هما:الكثرة في المجال المعين وعدم القابلية للتأجيل ، فهم الأكثر عوزاً وإدقاعاً ؛ والأكثر تعرضاً للملاحقات والمصادرات الشُـرَطْـيِّة ؛ وإنْ تعرضت ممتلكاتهم الإبداعية للسطو طالتْ بهم الطرق ـ إنْ تمكنوا من الوصول إليها ـ قبل أن ينالوا النذر اليسير من حقوقهم عنها ، وربما لم ينالوا حتى هذا النذر اليسير، وفي حالات كثيرة لا يتمكنون من استرداد هذه الممتلكات ذاتها ؛ وإذا ما نالت منهم الأمراض لم تتيسر لهم سبل مقاومتها ؛ ويلاقون من العنت الكثير في سبيل نشر إبداعاتهم عبر التقنيات التقليدية والمستحدثة ؛ وتقصر قدراتهم عن مدخلات العملية الإبداعية ذاتها .
لذا فهم محتاجون إلى : تعويضهم تعويضاً عادلاً نظير جهودهم غير العادية التي يبذلونها في سبيل تقديم إبداعاتهم لمجتمعاتهم ، ويكون هذا بحصولهم على مكافآت تتفق وكل جهد إبداعي يبذلونه ؛ وإلى وجود نظم لصرف معاشات عادية وتكميلية واستثنائية عند بلوغ سن معينة ؛ وأخرى للتكافل الاجتماعي تضمن لهم العيش الكريم عند وقوع النوائب ؛ ويفيدهم كثيراً منحهم تخفيضات ملائمة لتمكينهم من حضور العروض المسرحية والموسيقية والسينمائية ، وارتياد المتاحف والمعارض الفنية ؛ واستخدام وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية والإلكترونية ، أو المواصلات البرية والبحرية والجوية ( خدمات اقتصادية ) . ويحتاجون إلى برامج للرعاية الطبية، وتيسييرات للحصول على العلاج الدوائي والجراحي عند المرض ( خدمات صحية ) . ويحتاجون إلى تذليل صعاب النشر والبث : ورقياً ، إذاعياً ، تليفزيونياً، سينمائياً ، مسرحياً ، وإلكترونياً ؛ وإقرار نماذج وصيغ للعقود ، التي تبرم بهذا الخصوص ، تخرج بها من دائرة عقود الإذعان إلى دائرة العقود العادية ، وبما يحمي المبدعين من الوقوع في براثن الاستغلال التجاري ( خدمات النشر ) . كما يحتاجون إلى حماية حـقوقهم عن ملكياتهم الفكرية التي تتعرض لسرقات لا حصر لها ؛ وإلى آليات للدفاع عن حرية الاعتقاد والإبداع والتعبير إن مست أيهم أيدي السلطات الغشوم ؛ وأخرى لفض المنازعات التي قد تنشب بين بعضهم البعض كأفراد أو كمنظمات ( خدمات قانونية ) .
وهم أيضاً محتاجون إلى : تنشيط الجهود المبذولة في الترجمة من وإلى اللغات الحية احتياجهم إلى توفير مستلزمات صناعة الإبداع ودعم أعمال التوثيق للأنشطة والمنتوجات الإبداعية لتسهيل الرجوع إليها ، الاهتمام بالبحوث والدراسات المتعلقة بالإبداع وبعث حركة نقدية مواكبة له ومتفاعلة معه ، إنشاء المكتبات العامة ـ بصرية ، سمعية ، سمع بصرية ـ على أسس معاصرة ، تعميم الانتفاع من الفهارس والتراجم والقواميس والمعاجم والموسوعات المتصلة بالإبداع في عالم الكتابة وفي غيرها من العوالم وتهيئة الظروف لترجمتها من اللغات الأجنبية ـ شرقية وغربية ـ والتأليف فيها بالعربية ، تشجيع إقامة ورش العمل والملتقيات والمؤتمرات وتوثيق نتائجها والسعي من أجل تنفيذ ما يصدر عنها من توصيات ، مع تيسيير سبل انتقال المبدعين من الكتاب بين الأقطار العربية بحرية دونما عراقيل تتعلق بمواقفهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية.
خامساً ـ سبل الوفاء بالخدمات اللازمة للإبداع والمبدعين :
إن عدم الوفاء بهذه الخدمات ـ العام منها والخاص ـ لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة، هي ضمور الإبداع وتهميش المبدعين . وهذه النتيجة لا تعني فقط عملية حرمان متعددة الأبعاد ، وإنما تعني أيضاً شيوع حالة من الاغتراب الإبداعي في المجتمعات العربية وثيقة الصلة بطغيان القيم الطبقية وما يتصل بهذا الطغيان من تعطيل لمهام الديموقراطية والتقدم . وقد يكون من المفيد هنا أن يشير الباحث إلى أن حالة الاغتراب الإبداعي هذه تجمع ، عند تشكلها ، بين مجموعة من الحزم هي خليط من الظواهر السياسية والاجتماعية والنفسية ـ يمكن وصفها بالعَطِنَة ـ وجميعها له تداعيات سالبة على رؤية المبدع ليس فقط لذاته وللآخرين ، وإنما أيضاً لمجتمعه وللعالم بأسره .
وللقيام بالخدمات اللازمة للإبداع والمبدعين فإن العبء الأكبرـ كما سبق أن ذكر الباحث ـ يقع على المبدعين من الكتاب أنفسهم . ويكون النهوض بهذا العبء من خلال تنظيماتهم الديموقراطية ، وأغلب الأقطار العربية لا يخلو من هذه التنظيمات وإن اختلفت في أشكالها القانونية ما بين أسرة أو رابطة أو جمعية أو اتحاد للكتاب ، فضلاً عن الاتحاد العام الذي يجمعهم . وحتى تنتزع هذه التنظيمات الحق في نيل المبدعين للخدمات التي ذكر الباحث بعضاً منها ـ ولأن هذه الخدمات تتسـم بالتجدد والتنوع المسـتمرين ـ عليها بادئ ذي بدء أن تتبع بانتباه نبض الحركات الإبداعية القطرية والقومية والعالمية ، وأن تقوم بالتحليلات الصائبة لها ، وأن توجه جهودها التنظيمية من أجل توطيد علاقة المبدعين بمجتمعاتهم ، وأن تعمل على تعميق وتوسيع نفوذ المبدعين بحثهم على المشاركة الإيجابية في شئون هذه المجتمعات . ولا يكفي أن تقاوم محاولات تزييف الوعي وتخريب العقل وترسيخ الانحلال الخلقي والتفسخ الاجتماعي في أُطرٍ من دوائر رد الفعل ، وإنما عليها أيضاً أن تبادر فتقوم بتصعيد المواجهات الفكرية والإعلامية تجاه من يقومون بهذه المحاولات ، وتجاه التيارات التي لا سلطان لها إلا في أجواء الجمود والارتداد الحضاري . وعليها أيضاً أن تضغط في دفاعها عن حرية الثقافة والإبداع والبحث العلمي ، وأن تناضل من أجل رفع الرقابة والأشكال المتنوعة للوصاية الشُرَطِيَّة والتعتيم الإعلامي والإدارة البيروقراطية عن شئون الإبداع والمبدعين ، وأن توسع البنية الاتصالية بين المبدعين ، وتجعل من أهم أهدافها تبني النابغين وتوفر كل ما من شأنه أن يؤهلهم لمواصلة الإبداع عن طريق البحث والتجربة والاستكشاف .
وعليها في سبيل توفير الخدمات الخاصة بالمبدعين أن تتبنى مفاهيم التعاون المتبادل بين أعضائها من المبدعين ، وفي نفس الوقت تمارس الضغط ـ باعتبارها منظمات ضاغطة ـ على الحكومات من أجل توفير ما تعجز إمكانياتها وإمكانيات أعضائها عن توفيره وأغلبها مادي الصفة ، ويستوي في هذا ما يتعلق منها بالخدمات الاقتصادية أو الصحية أو النشر. ويُفَضَّل أن يكون الضغط باتجاه توفير الدعم المادي من الموازنات العامة لكل قطر وليس من خلال ما تقدمه هذه الوزارة أو تلك الهيئة الحكومية ، فعادة ما لا يتصف مثل هذا الدعم بالاستمرارية، فضلا ً عن أنه لا يخرج عن كونه هبة ترتبط بشروط وضوابط باهظة ، وغالباً ما تُستغل لتحقيق مآرب سياسيةـ قد تتعارض مع مصالح المبدعين ـ ولتكريس وضعيات التبعية ، وفرض سياسات الهيمنة والترويض على من تنبني طبائعهم على التجاوز وتخطي الإملاءات . وتكون خطوة عملاقة إن نجحت تنظيمات المبدعين في ضمان استمرار هذا الدعم من خلال قوانين تُسن لهذا الغرض .
أما الخدمات القانونية فلا تحتاج إلى تمويل كبير في الغالب ، وإنما تحتاج إلى مستويات من الوعي والنضال التشريعي والإعلامي ، وإلى التنظيم الإداري من خلال تشكيل اللجان أو إنشاء المكاتب القانونية المتخصصة ، و تنمية مهارات التقاضي ، لاسيما فيما يتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية وفقاً للقوانين المحلية في كل قُطر عربي، واتفاقية التربس ، وما فرضته منظمة التجارة الدولية ( الجات ) على التشريعات المحلية ، ويمكن لهذه اللجان أو المكاتب القانونية المتخصصة ـ ويفضل الباحث الأخيرة على الأولى ـ أن تقوم بخدمة الاتصال بالوحدات التنظيمية الحكومية القُطرية التي أنشئت من أجل تنفيذ تشريعات الحماية ، وكذا المنظمة العالمية للملكية الفكرية ( الويبو ) نيابة عن أعضائها الذين تتعرض حقوقهم للانتهاك . ولا شك أن وجود مثل هذه المكاتب داخل منظمات المبدعين العرب من شأنه أن يعوض عدم مقدرة أصحاب الحقوق على إنقاذ حقوقهم من الاجتراءات التي تتم عليها ، ويوفر عليهم تتبع الإجراءات المطولة بالمحاكم حتى صدور الحكم النهائي حيالها وغيرها من الإجراءات القانونية ، فضلاً عن القدرة التي ستتمتع بها هذه المكاتب على النفاذ خارج الحدود لمتابعة حقوق المبدعين من أعضائها .
وإذا ما سأل الباحث عن عدد تنظيمات المبدعين العرب التي تشتمل هياكلها التنظيمية على مثل هذه المكاتب ، فإن الإجابة معلومة سلفاً ، وهي إجابة مخيبة للآمال .
ومثل الخدمات القانونية ، سائر الخدمات التي لا تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً ، أو لا تتطلب إنفاقاً يذكر، فهي تتطلب وعياً وجهوداً نضالية من أجل تحقيقها ، وربما شذت الخدمات المتعلقة بالترجمة من وإلي اللغات الحية عن هذا السياق فهي تحتاج إلى إبداع وإنفاق وتنظيم . وقد شهدت الأقطار العربية جهوداً للترجمة إلى العربية يقوم بها أفراد ومنظمات أهلية وحكومية ، ولعل أقطاراًً كمصر ولبنان والكويت والعراق ـ قبل الاحتلال ـ وتونس والمغرب كانت تمثل مراكز مهمة لهذه الترجـمات ، أما الترجمة إلى اللغات الأجـنبية فقد شـهدت المجتمعات العربية مرحلة ـ ما تزال قائمة ـ تكفلت فيها الحكومات القُطرية بهذه المهمة فجمعت بين الإصابة والخطأ في اختياراتها، وتدخلت في هذا النوع من الترجمة اعتبارات بيروقراطية ودوافع شخصية أدت إلى ضعف تأثيرها ، فضلاً عن عدم مراعاة هذه الحكومات لطبيعة القارئ الأجنبي ، واتباع أساليب غير مجدية مثل قصر توزيعها على السفارات والقنصليات وشركات الطيران ومراكز الاستعلامات .
واقتصار هذه المهمة على المترجمين الأجانب- في بلادهم - والمؤسسات الحكومية العربية وبعض المؤسسات الأجنبية الموجودة في هذا القطر العربي أو ذاك، كالجامعة الأمريكية بالقاهرة التي بدأت نشاط ترجمة الأعمال الإبداعية الأدبية عام 1977م. يدفع أول ما يدفع إلى التساؤل عن دور جامعة الدول العربية في هذا المجال . ويُذَكِّر الباحث هنا بموقف الجامعة من معرض فرانكفورت ، وأنها لو كانت تولي ـ من خلال إدارتها الثقافية ـ نشاط الترجمة الإبداعية إلى اللغات الحية اهتماماً أكبر لكان دورها في إذاعة ونشر الإبداع العربي أكبر وأكثر انتشاراً ، وأقل إجهاداً سواء فيمت تعلق بهذا المعرض أو بغيره من المجالات .
وفي المقابل لاحظ الباحث ـ في حدود علمه ـ أن المنظمات الثقافية الخاصة التي انتشرت في المنطقة العربية منذ العقود الأخيرة من القرن الماضي مثل مؤسسات : الفيصل ، البابطين ، يماني ، العويس ، بن تركي ـ مجتمعة أو منفردة ـ لا تُولي أي اهتمام لترجمة الإبداع العربي إلى اللغات الأجنبية ، ولا توجه بعضاً من مواردها إلى إبراز صورة الإبداع العربي ، ويا لها من مهمة جليلة قصرت عنها جهود كان يجب أن تنشط ، ومنها جهود منظمات المبدعين أنفسهم .
يتبقى المراجع حسبما أوردها الباحث قاسم مسعد عليوة فى بحثه فإلى المراجع مع الشكر
محمدأسامة
العمر : 50 سجّل في : 07 مارس 2008 عدد المساهمات : 51 الموقع : http://elbahaey.blogspot.com محمد المغربي :
موضوع: رد: في خدمة الإبداع والمبدعين الأحد ماي 04, 2008 5:30 am
المراجع:
(1 ) أسـعـد ، يـوسف مـيخائيل ، مـيـاديـن الـحـريـة ، دار الكاتب العـربي للطـباعة والنشر، القاهرة ، 1968م. (2 ) الجوهري ، عبد الهادى ، مـعـجـم عـلـم الاجـتمـاع ، مكتبة نهضة الشرق ، القاهرة 1980م. (3 ) الـــرخـــاوي ، يـــحــيـي ، جـدلـيـة الـجـنـون والإبـداع ، فـصــول ، الـمـجـلد الســادس، لـعـدد الـرابـع ، الــهــيــئـة الـمـصـرية الـعـامـة لـلـكـــتاب، الـقـاهـرة ، يـولـيـوـ أغسطس ـ سبتمبر1986م. (4 ) إيــجـــلـــتـون ، تــيـري ، مـــقــدمــة فـي نــظــريــة الأدب ، تـرجـمة أحمد حـسـان، كـــتـابــات نـقـديـة ، الـهــيـــئـة الـعـامة لـقـصـور الـثـقـافـة ، القاهرة ، العدد 11 ، سبتمبر. 1991م
(5 ) إيــفـاشــيــفا ، فـالـنــتيـنا ، عــلــى أبــواب الــقــرن الــحــادي والـعـشـرين : الـثـورة الــتـكـنـولـوجية والأدب ، تـرجـمـة عـبد الحـميد سـليم ، الهـيئة المصـرية العامة للكـتاب ، القاهرة ، 1985م. (6 ) بــهــنـــســي ، عــفـيــف ، جـمـالـيـات الإبـداع العـربي ، فـصـول ، مـرجـع سبق ذكره . (7 ) حنورة ، مصري عبد الحميد، الأســس الــنـفـسـيـة للإبـداع الـفـنـي في الـشـعر المـسـرحي ، الـهـيـئـة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1986م. (8 ) سعيد ، محمد علي " أدونيس"،( المائدة المستديرة ) ، مـؤتـمـر الـثـقافة العربية من تحـديات الحاضر إلى آفاق المستقبل ، يوليو 2003م. (9 ) شــحــاتـة ، عــبــد المنعم ، مـكونـات الإعلام وآثاره من منظور علم النفس ، عـالـم الـفـكـر ، المـجلس الوطني للثقـافة والفنون والآداب ، دولـة الـكـويـت ، سـبـتـمـبر ـ أكتوبر ـ ديسمبر 1995م. (10) صــالـــح ، الـــطـــيـــب ، ( المائدة المستديرة ) ، مرجع سبق ذكره . (11) عبد الحميد ، شـــــاكــــر ، الأدب والجـنـون ، كـتـابات نقدية ، الهـيئة العامة لقصور الثقافة ، العدد 19 ، سبتمبر 1993م. (12) عبد الهادي ، محمد فتحي، مـقـدمـة فـي عـلـم المعـلومـات ، مـكـتـبة الأنجلو المصرية ، القاهرة ، 1984م. (13) عـطـيـة ، طـاهـر مرسي ، تأثير الارتباط بين الخدمة والسلعة على الصفات والمشكلات والاستراتيجيات التسويقية ، البحوث الإدارية ، العدد الأول ، المجلد الثالث ، أكاديمية السادات للعلوم الإدارية ، القاهرة ، 1988م. (14) عـلي ، سـعيد إسـماعيل ، التعليم والإعلام ، عالم الفكر ، مرجع سبق ذكره. (15) فـــــريــــري ، بــاولـــو ، آفــاق تـربـويـة مـتـجـددة : المـعـلمون بناة ثقافة : رسائل إلى الذين يتجاسرون على اتخاذ التدريس مهـنة ، ترجـمة د. حـامد عـمار وآخرين ، مكتبة الأسرة ، سلسلة الفكر ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2005م. (16) قـــــرنـــي ، عــــــــزت ، الإبداع الفلسفي وشروطه : نظرة إلى المحاولات واسـتـشـراف الـمـسـتقبل ، فصول ، مرجع سبق ذكره . (17) الـــــــصــــم ، لـــيــلـــى ، الإبــــداع كـــمـــفـــهــــوم ورؤيـــة ، الــمـعلم ، www.Almualem.net/maga/10347/html (1 مــكــاوي ، حـسـن عماد ، تكـنولـوجيـا الاتصال الـحـديــثــة فـي عصر المعلومات،الدار المصرية اللبنانية،القاهرة، 1993 م. (19) مــكــي ، مـحـمـود عـلي ، اللغة والإبداع ، أبحاث الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر أدباء مصر في الأقاليم ، الـمستقبل يبدأ الآن ، المنيا ، 2003م. (20) هـــيـــرمـــان ، أرثـــر ، فـكـرة الاضـمـحـلال في التاريخ الغربي ، ترجمة طلعت الشايب ، المشروع القومي للترجمة ،المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 200م. (21) وهـــــــبــــــة ، مــــــــــراد ، مـلاك الـحـقيقة المطـلقـة ، مكتبة الأسرة ، الأعمال الفكرية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1999م.
Admin Admin
العمر : 57 سجّل في : 06 مارس 2008 عدد المساهمات : 40 محمد المغربي :
موضوع: نشاط تستحق عليه الشكر الإثنين ماي 05, 2008 4:22 pm
الاخ الاديب محمد أسامه نشاطك في التواصل كشاعر وكأد يب يستحق الاعجاب .. فمن ياترى يهنئك معي بهذا النشاط. المغربي
_________________ جميلٌ أنت في حليّ وترحالي
محمد فاروق
سجّل في : 26 مارس 2008 عدد المساهمات : 29 محمد المغربي :
موضوع: رد: في خدمة الإبداع والمبدعين الأربعاء ماي 14, 2008 1:25 am
[
font=Arial Black]لن اختلف مع أستاذ محمد المغربى فى شىء مع هذا المجهود الرائع فى ذلك الكم من المراجع ولكنى اعتقد ان هذا الفكر مثالى لدرجه كبيرة جدا مع اتفاقى مع الموضوع قلبا وقالبا وخصوصا فى دعوتك (لإعادة النظر في السياسات الإعلامية ) لتهيئة الأجواء لبزوغ حركة إبداعية إيجابية و(سبل الوفاء) و(الديمقراطية) وحتى دائرة الجمهور والدائرة الدينية مثالية اكثر من اللازم واعتقد ان هذا ماكان يقصده افلاطون للمدينة الفاضلة تحياتى ولى تواصل اخر معك فى هذا الموضوع[/font][size=24 ]تحياتى "محمد فاروق[/size]