مملكة الأرانب
قصة/ محمد خليل
بطاقة القصة
كتبت عام 1980
نشرت فى مجلة العهد بدولة قطر العدد 292 أكتوبر 1980
أعدها للمسرح شعرا عاميا فى فصل واحد الشاعر صفوت سليمان
الظلام يغمر المكان ..الصمت لغة العجز والخوف من المصير ..الاضطراب رد فعل صياح الأبناء..من خلف الباب الصغير قالت الأرنبة فى عتاب :
ــ أنت السبب فيما نكابد من عذاب
رفع الأرنب رأسه وتساءل فى دهشة
ــ أنا ؟..
ــ ردت بثقة
ــ طبعا طبعا ..
عاد يتساءل كاتما غيظه:
ــ لماذا؟ ..
ــ أجابت ناظرة اليه:
ــ حلمك بالملك..أنسيت حلمك أن تكون لنا مملكة ؟ ..
قال بشىء قليل من الفهم
ــ لم أنس ..وها قد أصبحت لنا مملكة..فماذا فى هذا ؟ ..
تراجعت قليلا وقالت:
ولكن أى فائدة من الملك ونحن لانستطيع تدبير شئونه ؟ ..
حرك رأسه متعجبا وقال:
ــ أية أمور ؟..
ردت بصوت قوى:
ــ طعام الأعداد الغفيرة من الصغار والكبار الذى تستولى عليه الديوك الرومية بمساعدة عبد الجبار وست الدار .
خرج الأرنب عن ظاهر هدوئه وصاح
ــ دائما تلقين اللوم فوق رأسى ..وكأنى وحدى وراء عدم كفاية الغذاء لأبناء المملكة
ساد الصمت لحظة وأردف
ــ وتتجاهلين أنك السبب
دقت صدرها واقتربت منه ودفعت مستنكرة
ــ أنا ؟ ..ألست أنت الذى تحوم حولى كل ليلة ولا تتركنى الا وقد ......
تماسكت نفسه وقال:
ــ دعينا من تبادل الاتهامات ..السكوت أفضل من الكلام فيما لاخير فيه..
قالت غاضبة:
ــ لا أستطيع الصمت ..خاصة عندما رأيت بعض الأبناء يتسللون الى حظائر الآخرين ليحصلوا على حاجتهم من الطعام ..
اعتدل الارنب فى جلسته ..نبش تراب السطح موسعا الحفرة التى يجلسان فيها ..دنا برأسه من وجهها ..حاول تطويقها ..تخلصت منه بسرعة وهى تقول:
ــ دعك من هذا وكن عاقلا.. أنفعل ما تفعله ست الدار وعبد الجبار ؟ ..من الأفضل أن نفكر فى وسيلة نعالج بها الشهية المفتوحة لهما والتى أورثتنا الخوف والعذاب .
ــ تراجع فى خجل وقال:
ــ هذه مسألة غاية فى البساطة ..
حركت رأسها مستوضحة
ــ كيف يا فيلسوف ؟..
تنهد وشرع يشرح فى ثقة:
ــ عندما تكثر أعدادنا فانها تؤثر على مقررات الطعام التى تأتينا..كما أنها تغرى ست الدار وعبد الجبار باغتصاب أبناء المملكة ..لأنهما كما تعرفين من آكلى لحوم الأرانب التى تتصف بالوداعة والطيبة ..عندئذ تصيبهما التخمة والامتلاء..وبالتالى لايجدان وسيلة للتخلص من هذه الطاقة الزائدة الا فى الخلوات الليلية ..وانت تعلمين يا أرنوبتى الحبيبة انه ما اجتمع اثنان الا وكان ................
بان الود فى عينى الارنبة وعلقت:
ــ أحيانا يا أرنوبى الحبيب يكون كلامك رقيقا وصحيحا وممتلئا بالحكمة:
اقتربت منه..ألصقت رأسها برأسه ..مرت بيدها على ظهره ..تراجع ضاحكا واستطرد مازحا:
ــ ودائما فان الشيطان عند تواجده يجلس الى جوار ست الدار ..
ردت الأرنبة في دلال:
ــ ودائما تشك في نيتي.. اني أردت اختبار ارادتك فقط..أكمل ياأرنوبي أكمل..
واصل حديثه :
ــ وأنت تعرفين نتيجة هذه الخلوات .. ثم بعد ذلك .. وعندما تلح نوبة السعار علي ست الدار وعبد الجبار فانهما يتنصلان من واجبات العشرة ويعمدان الي الفتك بأبنائنا وبناتنا .. فتبقي الحسرة في فؤادك الرهيف والأسى فى قلبى الطيب الضعيف.
حركت الأرنبة أذنيها منتشية بمنطق زوجها وقالت:
هذا ولله صحيح..وانها لكارثة تكاد تقضى علينا جميعا..
ثم أطرقت برهة وسألت:
ــ وماذا نفعل ؟..
فكر الأرنب مليا ثم قال:
ــ لا حيلة لنا الا فى شىء يأباه ضميرى ..
ــ ماهو ؟..
أجاب هامسا:
ــ أن نسطو على مخزون الديوك الرومية أو نهرب عند الفجر لننضم الى ممالك الآخرين حيث وفرة الطعام والأمن من الافتراس..
ردت الأرنبة في حزم :
ــ لاأستطيع أن أفترق لحظة واحدة عن عيالي..
قال الأرنب :
ــ فعلينا اذن بالطريقة الأخري..
قالت :
ــ هذه محفوفة بالمخاطر .. وخطرها لايقل عن خطر الهروب .. ويبدو أنك فقدت عقلك ..
ثم وثبت وثبة طويلة وتركته وحيدا .. اعتراه الحزن .. واختل تفكيره ..اقترب منها محاولا اقناعها بالعودة واستئناف الحوار ..أخفت وجهها في التراب ممعنة في الدلال والغضب .. لجأ الي الصمت والتفكير مرة ثانية .. ترامي الي أذنيها صياح ملك الدجاج من فوق السطح المجاور لهما .. رفعت رأسها .. أرهفت أذنيها .. تسللت في بطء حتي وصلت الي أطراف السطح .. جلست تنصت الي الأنغام "الديكية" في نشوة واستمتاع.. تحاول نسيان المشكلات التي تؤرق أيامها ولياليها ومصيرها المحتوم مع أبنائها .. ظهر الضجر في عيني الأرنب .. وثب نحوها وناداها غاضبا متأثرا .. اقبلت عليه متبرمة ساخطة ..
صاح فيها قائلا :
ــ حذرتك ألف مرة من محاولة التأمل والانصات لصياح الغرباء ..
دفعت في غيظ :
ــ وماذا في هذا ؟ .. ألا يكفينا مانعانيه من متاعب ؟ ..
رد محتدا :
ـــ ان هذا يخدش حيائي ويشعرني بفقدان الثقة..
قالت في سخرية:
ــ شبعت من كلامك الناعم واستوثقت من أنه لن يدرأ عنا خطر عبد الجبار وست الدار..
جلست الي جواره في صمت .. أسبلت عينيها تنشد قليلا من الراحة.. انتفضت منزعجة عندما سمعت صراخ صغارها يطلبون الطعام.. وثبت نحوهم تطمئنهم بقرب موعد التوقيت اليومي لصعود ست الدار بوجبة الافطار .. مضت ساعتان قبل أن تظهر حاملة اناء الماء في يدها وحزمة صغيرة من البرسيم تحت ابطها وفي يدها الثانية الطعام الخاص بالديوك الرومية عرجت عليهم وغابت عندهم .. تقدمت من حظيرة الأرانب ونثرت أمامهم حزمة البرسيم ووقفت تنتظر التفافهم حولها .. تحركت مقلتاها يمينا ويسارا تتفحصان أعدادهم الوفيرة.. توجس الصغار خيفة .. ظهر الهلع في عيونهم .. أحجموا عن الاقتراب من الطعام .. بدا الرعب في عيون الأرنب والأرنبة.. راحا يرمقان وجهها في محاولة لاستقراء مايدور بعقلها.. انتحي الأرنب بأنثاه جانبا وهمس في أذنها متألما
ــ أرأيت هذا الخداع ؟ ..
عيناها تترجمان سر ابتسامتها وتفصحان عن نواياها الخبيثة ..
أضافت الأرنبة :
ــ ويبدو أنها لن تكتفي بضحية واحدة ..
علق الأرنب :
ــ واضح أنهما بذلا جهدا اضافيا ليلة الأمس والشهية مفتوحة عن آخرها ..
ولما لم تتحرك الأرانب نحو البرسيم .. ولما أيقنت " ست الدار" افتضاح أمرها .. دنت نحوهم بخطوات وئيدة متسللة .. انتشر الرعب بينهم فهرعوا يتكومون في ركن واحد .. صاروا كتلة من اللحم لاتكف عن الحركة .. يحاول كل أرنب أن يختفي تحت أو بين الأرانب الأخري محاولا اقتناص فرصة أطول للحياة .. عندئذ مدت يدها وقبضت علي أرنبين .. وقفت الأرنبة ذاهلة والرعب يسري بين الأرانب الأخري .. استدارت " ست الدار " تهبط الدرج .. أسرع الارنب خلفها يناشدها الابقاء علي حياتهما حتي يتناولا طعامهما .. استدارت ورمقته بنظرة حادة أرعدته .. استدار يثب فزعا مذعورا .. عاد الي الأرنبة .. دلفا الي الحظيرة .. بعد برهة قصيرة خرج الجميع الي السطح يثبون ويزومون
من مجموعة مملكة الأرانب .....