نادى أدب بورســعيد
واحـةالأدب العربي التي تحتضن كل مشارب الفكر والابداع مستهدفة إرساء قيم الحريةوالحق والخير والجمال دون إسفاف أو ابتذال . من أبناء بورسعيد الى مصر والعالم العربي..
الصفحة الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جالتسجيلدخول
ارسل الموضوع الجديد   رد على الموضوع
 

إغاثة الجمهورية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مرسي سلطان




سجّل في : 10 مارس 2008
عدد المساهمات : 18
محمد المغربي : 

مُساهمةموضوع: إغاثة الجمهورية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 2:43 am

إغاثة الجمهورية



- الجزء الأول -


كان صباحا أمشيريا مشمسا رغم ما سرت خلاله من تدفقات خفيفة لرياح باردة ، وكنت قد انتهيت من تصفح جريدة ( الأهرام )، فأخذت احل مربع كلماتها المتقاطعة تحت الشباك خلف ضلفتي الزجاج المحكم ، وأنا أتمطى باستمتاع تحت شمس الشتاء الدافئة ، وقد أسندت كرسي الخيزران مائلا إلى الحائط ، مع السيجارة وفنجان القهوة المظبوط .
فبعد ان تنقلت بين العديد من إدارات ومكاتب ديوان الوزارة، انتهى بي المطاف الي مديرية وسط القاهرة، وكان ذلك هو اليوم التالي لتسلمي العمل بتلك المديرية التي شغلت شقتين متجاورتين في عمارة قديمة بوسط البلد، فوجدت المكان لابأس به، قريباً من المقهى الذي اعتاده والفندق الذي اسكنه
و بالفعل كان مزاجي رائقا ومعتدلا منذ أن صحوت ذلك الصباح، وظل هكذا صافيا حتى عكره مدير شئون العاملين الذي اقترب مني وهو يزعق في وجهي بطريقة مستفزة فاجأتني وأخرجتني من حالة الاسترخاء الذي كنت فيه
- إيه ده يا أفندي ده ؟ قالب الكرسي وقاعد تقرا الجرنان في الشمس.. الكرسي ده ممكن يتكسر بالقعده الغلط دي !
لا ادري لماذا أيقظت طريقته المتعالية كل الغضب المتراكم داخلي، فوجدته هدفا سهلاً لكي اصُب غضبي علي رأسه ، وافش فيه غليلي المكبوت ، ومادمت قد صُنفت سلفا في خانة مُثيري الشغب والقلاقل، فمن الأحرى إثارتها بالفعل طالما سنحت الفرصةّّ!
سحبته من كُم قميصه، حتى أصبحت أذنه قريبة من فمي، و همست له بصوت خفيض كما لو كنت سأُفُضى له بسر لا اود لأحداً غيره ان يسمعه:
....... أُمك.
ويبدو انه فوجئ أو لم يصدق ما سمع، فكرر السؤال عدة مرات بطريقة عصبية
- بتقول إيه، أنت بتقول إيه ؟
كلما انتقلت إلي مكان جديد، يصبح وجودي في حد ذاته مشكلة، وجدت حلها في انتهاز أول فرصة لإثارة المشاكل منذ البداية، وتعمد الصدام مع الادارة ، حتى وان تطور الامر ووصل الى حد الامساك بخناق أول من يحاول استفزازي من جهتها، ثم اكتشفت بالفعل انها الطريقة السهلة والاسرع لكي يتعرف الجميع علي حقيقة وضعي وسبب وجودي بينهم.

أجبته ببرود و بطريقة هادئة
- زي ما قلت وسمعت، ولو مش كفاية، ممكن أسمعك قده عشر مرات، واسَمّع معانا اللي قاعدين لو تحب..
وأشرت له بيدي محذرا ليبتعد ..
- ابعد عن سكتي
هي لحظة، هممت فيها بالوقوف كما لو كنت أهم بمواجهته بَدنياً، فتراجع وهو يتوعد..
- بقى كده ؟ طيب . أنا بقى حالغي انتدابك فورا وأرجعك بلدكم في تمانية وأربعين ساعة.. سامعني ؟ .. حتى لو كانت واسطتك وكيل الوزارة.. إحنا مِش ناقصين مجانين وشُغل بلطجة من أول يوم

ابتسمت في سري مما سمعت، وقد خمنت ما دار في خياله ، فـقلت له بثقة و هدوء مصطنع فيه الكثير من الإغاظة:
- اسمع.. لا أنت ولا المدير ده بتاعك.. اللي قاعد جوه في مكتبه.. يقدر يلغي انتدابي.. فاهم ؟ .. ولا حتى وكيل الوزارة ! ... عشان انا واسطتي اسمه محمد انور السادات .. تقدر تتكلم اوتفتح بوقك ؟

بُهّت لما يسَمعه مني، فالأوراق التي سَلمتها له صباح الأمس، لم تزد عن خطاب مقتضب به بضعة اسطر، تفيد بأنني جئته كموظف منتدب، في حين أن السادات بنفسه حين أعلن قبل شهرين ثورته الإدارية، كان أول قرار اتخذته تلك الثورة هو تخفيض عدد العاملين بوزارات وجهاز الدولة بالقاهرة وإلغاء كافه أنواع الانتدابات في نطاق القاهرة الكبرى.
ربما ظن ذلك الرجل أن واسطتي في تلك الحالة ربما تصل الي وزير، فكيف أجيئهم وسط القاهرة، في الوقت الذي تُحظر فيه الانتدابات وتُمنع منعاً باتاً، ولمديرية وسط القاهرة لاشمالها او غربها، لا للجيزة ولا للقليوبية، ولمجرد شغل وظيفة مكتبية عادية، ومع ذلك أتعامل معهم بكل تلك الثقة والاستهتار ؟!
حتى الجريدة التي كنت أتصفحها بالصدفة ذلك الصباح، لم تكن تخلو من شكاوى واستغاثات الموظفين المهددين بالنقل أو بإلغاء انتدابهم بعدما استقرت أوضاعهم في العاصمة، شكاوى تكاد تختفي وسط ما دُبج من مقالات الإشادة بالثورة الإدارية التي ستقضي علي حالة الاختناق والترهل التي تعاني منها القاهرة.
وحقيقة، فلم اكذب عليه حين قلت له ان واسطتي هي السادات شخصيا و لا احد غيره!

ظل عبد العزيز يهدد ويتوعد من بعيد بصوت عال أمام باقي الموظفين، محاولا استعادة هيبته كمدير لإدارة شئون العاملين
- أنا حابعت إلغاء انتدابك مع مخصوص. فاهم أزاي ؟ مخصوص يسافر بيه ويرجع في ظرف ثمانية وأربعين ساعة، و انشأ لله ح أعمل لك إخلاء الطرف السبت الجاي.
استهوتني اللعبة ، فأردت تصعيدها لمزيد من اللهو ، بعدما اتضح إن كل ما يجري من حولي هو نوعا من العبث.
فأجبته بصوت واثق هادئ و لهجة تحدي جادة
- ماتقدرش، لا أنت ولا عشرة زيك
وبدلا من أن تزداد ثورة عبد العزيز، الذي كان يختال كالديك الرومي بين موظفيه، أخذ يعيد حساباته بينه وبين نفسه مرة أخرى، فالذي يستطيع أن يخمنه عقله في تلك الحالة، هو أن تكون الواسطه التي استطاعت انتدابي إلي مديريه وسط القاهرة وسط عواصف تلك الثورة الإدارية المعلنة وأوصت بذلك الانتداب صراحة، إما لصاحب منصب خطير وعضمه جامدة قادرة علي إيذائه وردعه لو فكر في إيذائي، أو ربما كنت أنا نفسي استند إلي جهة ما غامضة تحميني، ولها من السطوة ما يتعدى القوانين !
بدا ذلك واضحا حين أخذت نبرات صوته تصبح اقل حدة وتغيرت لهجته وهو يحاول أن يعيد الموضوع إلي بدايته.. الكرسي .
- ياباشا الكراسي ده عهده أميرية لازم نحافظ عليها علشان نلاقي حاجة نقعد عليها، و يا سيدي لو مش عاجباك أحوالنا فارقنا.. جاي لنا ليه ؟
- يا عم كِنْ بقىَ.. تبقى تكهنه لو انكسر.. وبلاش دوشه!
- ماشي ياسيدي.. ، بس برضه ح يتلغي انتدابك من عندي وحارجعك بورسعيد، ومن بكره حتسافر ياعبد الحميد بنفسك مأمورية مخصوص وتجيب الموافقة من هناك.. سامع يا عبد الحميد ؟
- قُلت لك ماتقدرش، لا أنتَ ولا غيرك يقدر يلغي إنتدابي !
- ح نشوف..و أنا يا أنتَ في المديرية دي.. واحلق شنبي
- أنتَ مش قد الكلام ده !
- ماشي.. أنا ح استحملك لحد يوم السبت، وح نشوف
- أنا معاك سبت وحد واتنين وتلات واربع وخميس.. يعني لازم تستحملني علشان مش ح أفارقك.. تحب اكتب لك طلب إلغاء إلانتداب بنفسي علشان تصدق انه ماينفعش ؟ ماشي .
وأمسكت بورقه مهملة ملوية الأطراف وكتبت بإهمال ( برجاء إلغاء إنتدابي حيث إنني لم ولن ولا أرغب بالعمل لديكم بمديرية وسط القاهرة.. و توقيعي )
تناول ألورقه وتفحصها وهو غير مصدق، ثم طلب مني أن أعُيد كتابتها بصيغة صحيحة علي ورقة صحيحة غير مهترئة، فرفضت بتكاسل مظهراً اللامبالاة.
- مش ح اكتبها مرتين.. كفاية كده.
- ماشي.. هو أنتَ فاكرها مش ح تنفع ؟ أنا بقى ح أخليها تنفع، وعموما أنتَ منتدب ومن حقنا إلغاء إنتدابك في أي وقت.
- وأنا بأقول إن كل إللي أنت بتعمله ده مفيش منه فايده
ومع ذلك احتفظ بالورقة، واندفع بها إلي مكتب المدير العام.

كان الموظفون قد تجمعوا حولي تاركين مكاتبهم، فاقترب مني عبد الحميد ليربت علي كتفي ويهدئني
- خلاص بقي اعتذر له، ده مَهما كان راجل كبير.. وهو طيب والله.. مش كده من أولها !
- جرىَ ايه؟ أنت شُفتني غَلطان ؟
- بس يعني ..
- مابسش.. اللي في إيده يعمله..( وغمزت له بطرف عيني غمزة تعني اللامبالاة ).. صدقني ماتقلقش.. ولا ح يقدر يعمل حاجة !

رحب عبد الحميد بالمأمورية بعد ان وافق عليها المدير العام علي الفور، وكأي موظف وجدها فرصة سانحة لان يذهب إلي بورسعيد في مأمورية وأعتبرها إجازة مدفوعة الأجر ، يتسوق خلالها علي راحته من المنطقة الحرة التي كانت في أوج رواجها، وعلاوة علي ذلك يبيت في استراحة المديرية بالمجان ويصرف له بدل السفر ومصاريف الانتقال



*******



الفندق الذي كنت اسكنه بالقرب من التوفيقية كان لا يبعد كثيرا عن المديرية في شارع قصر النيل ولا عن مقاهى سليمان باشا وميدان التحرير، وتلك الحدود تقريبا هي مثلث وسط البلد الذي كان مجال حركتي الذي نادرا ما اخرج عنه
وبالطبع لم يكن السكن مريحا بالمرة في فندق رخيص بشارع رمسيس حيث اقصى درجات الضجيج والتلوث، لولا أنني كنت اعتقد طوال الوقت أن إقامتي بالقاهرة هي مجرد إقامة مؤقتة كما أكدوا لي مرارا.
كان فندق صغير اقرب للبنسيون ليس فقط بغرفه القليلة العدد، بل لكون أكثر نزلائه كانوا شبه مقيمين فيه بصفة دائمة، تماما كما أصبحت إنا واحدا منهم فيما بعد حين طالت بي الإقامة
وكان المساء يجمع اغلب النزلاء في الصالة إما للعب الطاولة أو الثرثرة والكلام في الدوري وكرة القدم، وكانت تلك المجموعة من النزلاء شبه المقيمين تضم أصنافا عديدة من البشر جمعتهم الصدف، بين عمر الشرقاوي الموظف حديث النقل إلي وزارة الزراعة الذي يقضي نهاره في البحث عن شقة في ضواحي الجيزة ليعود كل يوم بحكاية من حكاياته مع السماسرة والأماكن النائية التي إكتشَفها في بحثه، وهو لا يُصدق أن توجد أماكن كتلك بالقرب من القاهرة لا يصلها الماء والكهرباء ولا حتى الصرف الصحي، يقولون له: بيع لك قيراطين طين واشتري شقه معقولة، فيقول:
- أزاي أبيع ارض واشتري شقه في الهوا يا عالم؟ .. دي حاجة في الهوا .. ده وهم والله !؟

و الحاج سيد هلال أو سيد بيه الذي لم يكن يغادر مكانه المعهود في الصالة طوال النهار وكأنه يرقب كل داخل وخارج من الفندق، وهو رجل أعمال سابق أفلس علي أيدي سكرتيرته التي تزوجها سرا، وبعدما استولت علي أمواله التي وضعها باسمها في البنوك طلقته بعدها بأسبوع بموجب العصمة التي بيدها ، ومن بعد الطلاق ، لم يجد معه إلا ما يكفي لإيجار غرفة صغيرة في فندقنا الرخيص، حتى زوجته أم أولاده، هي أيضا طردته من البيت حين عاد أليها مفلسا بعد أن طلاقه من السكرتيرة
وكنت اتعجب كيف لشخص تبدوا عليه مظاهر الدهاء والحيطة كالحاج سيد هلال ان يقع في مثل تلك الورطة، حتى حكى لي حمادة عن السبب الذي من اجله وضع الحاج سيد أمواله في حساب خاص باسم سكرتيرته قبل أن يعقد عليها، وان ذلك تم بقصد التهرب من تنفيذ احكام بدفع تعويض ضخم طالبته به الحكومة السعودية، ثم تزوجها حسب اتفاقه المسبق معها ليضمن استرداد نقوده، لكنها ما أن ضمنت حرية التصرف بتلك الأموال حتى طلقته بموجب العصمة التي بيدها، ومع ذلك ظلت ترسل له بعض النقود القليلة بين حين و أخر وكلما اتصل بها، فكان حين يتصل بها من تليفون الفندق يبدأ معها حديثا هامسا مثل عاشق مهجور، وما يلبث ان يعلو صوته لينهى المكالمة بسلسة من الشتائم يسمعها كل من في الصالة، وفي اكثر من مرة كان حمادة العبد يطلق ضحكة عالية ممتدة يقطعها فجأة في أوجها حين يلتفت إليه الحاج سيد هلال لتعود ملامحه هادئة كمن لم يكن يضحك للتو، وهو يغمز لنا بطرف عينه.

وكان حمادة العبد وكيل سابق بوزارة المالية، طلقته زوجته هو أيضا أثناء فترة علاجه في احدي المصحات العقلية وتزوجت من احد الأثرياء ذوي النفوذ، وقد همس لي ذات يوم، أن ذلك الغريم هو من دبر لإدخاله المصحة ليفقده الأهلية ويجبر علي الطلاق بحكم المحكمة، وحقيقة كنت اميل الي تصديقه ، لولا بعض النوبات القليلة التي كانت تعتريه أحيانا ولا تعلم ان كانت بسبب الفترة التي قضاها بالمستشفى ام سابقة عليها ، فهو لا تبدوا عليه عادة أي سمة من سمات الاختلال، بل تراه شخصا ضحوك هادئ وفوق ذلك فهو ذكي ولماح و صريح صراحة مفرطة في انتقاد الاخرين وكل ما حولة، لدرجة تجعلك تقتنع بانه شخص مجنون بالفعل !

حين مر بنا الحاج سيد، صاح حمادة وكأنه ينادي علي بضاعة:
- لوكاندة امبريال .. الليلة بريال
.. قرب .. قرررب .. انت بعيد ليه؟
ثم جلس الي جواري ودون مناسبة اخذ يحكي لي بثقة الملم بكل التفاصيل والخفايا، عن حكاية الحاج سيد هلال في السعودية، حين رست عليه مناقصة بناء عدة عمارات في إحدى المدن الجديدة التي تبنيها المملكة في الصحراء تحسبا للمستقبل، وعند التسليم اعترضت اللجنة لوجود مواسير المياه خارج الحوائط وأصرت علي أن تكون غير ظاهرة بالمرة، وكان هذا يعني خسارة فادحة تفوق ما كان سيكسبه من تلك العملية أضعاف مضاعفة، فعليه أن يزيل المواسير والوصلات أولا، ثم يحفر في الحوائط ليدفن فيها المواسير ثم يعيد محارتها ودهانها وإصلاح السيراميك من جديد وكل هذا كان يجب أن يتم في ظرف أسبوعين و إلا تعرض لغرامة تأخير عن كل يوم، فكاد مخه ان يغلي في رأسه، لولا أن الهمة شيطانه فكرة عبقرية، فبعد أن تأكد من أن شبكه المياه لن تصل إلي المباني قبل شهرين وبعد ان يتم التسليم بفسحة من الوقت، قام بتفكيك المواسير وبيعها، وصنع ثقوبا في الحوائط ثبت فيها الحنفيات بقليل من الاسمنت، ثم قام بتسليم المباني إلي اللجنة حسب التعديلات المطلوبة.!

كان لدي احساس طوال الوقت بأنهما علي معرفة قديمة ببعضهما منذ زمن بعيد، وان كانا لم يلمحا اليها مطلقا، فهما دائما_ حمادة والحاج _ مثل ناكر و نكير، هو يسميه الحاج أونطه ولا يسميه الحاج سيد سوى حمادة الأهبل، ومع ذلك يجلسان دائما كمشجعين علي جانبي لاعبي الطاولة بنفس حماس مشجعي الأهلي والزمالك، حمادة بالترننج سوت وسيد بيه بروب ديشامبر حريري من بقايا العز.
وغالبا مايكون التحدي علي أشده عندما يلعب عمر الشرقاوي امام منير غيث ـ ذلك البدين الذي اقترب من الثلاثينيات ومازال طالبا بمعهد الموسيقى العربية ولا اراه يبدي قلقا لذلك التأخر في الدراسة، فهو ابن عمدة ميسور، يقول انه يرسب عمدا كي يؤجل خدمته العسكرية، مع انني كنت اشك أنهم سيقبلونه لبدانته، فهو لم يكن ليغادر الفندق الا نادرا، ويقضي معظم الوقت بين الاسترخاء وقراءة الصحف والمجلات، تاركا على بابه دائما ورقه بها جمله واحدة لا تتغير( نائم.. أرجو عدم إيقاظي )، ومع ذلك فان حضوره في الصالة كان يملئ المكان بالصخب بما يثيره من صياح وما يطلقه حوله من دعابات ونكات، فهو في كل احواله خفيف الظل ولا يكف عن الضحك والتعليقات طوال الوقت، علي العكس من عمر المتبرم دائما أثناء اللعب.

كان الفندق ملكا لشاب سوري لطيف ورثه عن أبيه الذي وفد إلي القاهرة زمن الوحدة واستقر فيها ولم يرجع، وربما لهذا السبب كان الفندق مقصدا لبعض السوريين كأبوطلال الذي كان يحترف تجارة ما بين القاهرة ودمشق لم يفصح ابدا عنها، ونعسان او أنور سامي حسب اسمه الفني الذي اختاره حين قدم إلي القاهرة ليبحث عن الشهرة والفن في الإذاعة أوالحفلات كمطرب وعازف عود، ، فانتهى مطربا في شارع الهرم لفترة قصيرة، ثم نقاشا فيما بعد.
إضافة إلي صديقي جورج الغزاوي الفلسطيني طالب الصيدلة بجامعة المنصورة وأماري ابره الإثيوبي زميلي في الغرفة، فكان أولئك هم اغلب النزلاء المقيمين تقريبا
اما اصغر الغرف الفردية فكان يشغلها الاستاذ نجيب مدرس الرياضيات و كاتب أغاني بالإذاعة، غير ان احدا لم يكن يشعر بوجوده أصلا، فهو لا يخالط أحد، ولا احد يحادثه، ينظر الى البشر من علو كنجم يتيه بنفسه، فلم يره احد يخرج من غرفته إلا وهو يختال في كامل هندامه المكوي بعناية، وقد أحاط وجهه النحيف شعره الأكرت الكثيف المفرود بالسشوار، ليخلف من بعده رائحة عطر اولدسبايس حين يعبر الصالة، ولم أرى أحدا يزوره سوي أخ له، قيل انه يعمل كومبارس في الأفلام والمسرحيات، ورغم علامات البلاهة كانت تبدوا واضحة عليه وطريقته السوقية، فقد شاءت الصدف فيما بعد أن يصبح نجما كوميديا فيما عرف بافلام المقاولات !

كما كانت الغرفة الوحيدة بالفندق المزودة بحمام خاص، من نصيب مدام إيزيس وبناتها، وهي سكندرية سمراء تقارب البدانة وتصبغ شعرها بالأصفر، و تعمل بأحد مكاتب السياحة بوسط البلد كان تقضي فيه طوال اليوم تقريبا، وأحيانا إلي ساعات متأخرة من الليل، وقد شاعت عنها نميمة بأن زوجها القبرصي حين رحل إلي اليونان – ولا احد يعلم إن كان قد طلقها بعد أم لا -، اصطحب معه ابنتيه الشقر منها وترك لها السمراوتين !.

أعود إلي الفندق، وما أن يراني الحاج سيد هلال أو سيد بيه حتى يطلب منى الجريدة، فيتناولها بامتعاض:
- أنت بتبهدل الجرنان كده ليه ؟
- معلش يا سيدي، المرة الجايه حاقراه من غير ما افتحه !
فينظر إلي جورج الغزاوي و يبتسم.

*******
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مرسي سلطان




سجّل في : 10 مارس 2008
عدد المساهمات : 18
محمد المغربي : 

مُساهمةموضوع: رد: إغاثة الجمهورية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 2:45 am

قبل أن ينقضي أقل من شهرين علي تسلمي العمل الوظيفي، صدر القرار بنقلي خارج بورسعيد.
طلبني مدير الإدارة في مكتبه وهو يحاول أن يمهد للأمر و يبادر بتهدئة مخاوفي مسبقا، قبل أن يطلعني علي الورقة التي يمسكها بكلتا يديه عليها مؤكدا لي أن الأمر مؤقت ولن يستغرق سوى عدة أيام، وفي أسوا احتمالاته لن يزيد عن بضعة أسابيع ريثما تهدأ الأمور في المدينة، ثم ناولني القلم لأوقع وهو يتعجلني كي لا أدقق في قراءة كافة تفاصيل الورقة التي كانت معنونة بكلمة ( سري و عاجل )، و حين وصلت إلى الفقرة التي تنص على أنه " نظرا لرغبة السيد المحافظ بصفته الحاكم العسكري لمحافظة بورسعيد، في عدم بقاء المذكور للعمل بالمحافظة لكونه من العناصر المثيرة للشغب، فقد تقرر إخلاء طرفه نهاية يوم الخميس الموافق 2يناير 75 وتنبه عليه بتسليم نفسه لمكتب الأمن بالوزارة اعتبارا من صباح يوم السبت 4 يناير1975 ". حاولت أن أعيد إليه القلم رافضا التوقيع، لكنه أطبق علي يدي الممسكة بالقلم وهو يقسم بأن الأمر يتجاوز سلطة المدير و المديرية، وليس أمامي سوى الانصياع للأمر وقبول التوقيع بالعلم، ففي النهاية، هو أمر إداري لابد من تنفذه أولا ثم التظلم منه فيما بعد !.
في اليوم التالي كان علي أقوم بتسليم العهدة بمخزن الإعانات العينية والتي كلفت بتوزيعها على العاطلين عن العمل وقت ان كانت القناة مازالت مغلقة.
كنت اقوم بصرف الاعانات وكانت الطوابير لاتنتهي امام المخزن ، وغالبا ماكنت اواصل العمل لساعات بعد مواعيد الانصراف الرسمية بدافع من ضميري الاشتراكي الذي يأبى ان يرد فقيرا خائبا بعد ساعات طويله في طابور الانتظار ، وكان المخزن يمتلئ أحيانا بالدقيق و السمن والالبان المجففة، وأحيانا بالبطاطين، أما تلك المرة فكان ممتلئا عن أخره بالملابس المستعملة التي ترد كهبات من الكنائس والجمعيات الاهلية في الغرب لتوزيعها علي فقراء العالم الثالث، فظننت أن فرزها وتصنيفها قبل إعادة تسليمها لإدارة المخازن قد يستغرق يومين على الأقل أو هكذا منيت نفسي بفسحة من الوقت تكفي لأدبر أحوالي قبل السفر، لكني وجدت مدير المكتب قد أعد بالفعل (كشوف الاستلام) مسبقا، وأقر بسلامة مطابقتها للعهدة ودون حتى أن يفتح المخزن وينظر فيه، فلم يعد مطلوبا مني بعدها سوى التوقيع على محضر التسليم، ولمزيد من اختصار الوقت، تكفل رئيس شئون العاملين بإنهاء باقي الإجراءات الأخرى، فلديه أحد الموظفين النشطاء في مكتبه، كلفه بالمرور بدلا مني على باقي الإدارات لاختصار إجراءات إخلاء الطرف في أسرع وقت ممكن.

*******

كانت الأحداث قد تطورت واختلطت على نحو مفاجئ خلال يوم واحد، فرغم أن ما حدث في الإستاد الرياضي صبيحة الاحتفال بيوم 23ديسمبر 1974 لم يكن له علاقة بما حدث في قصر الثقافة مساء نفس اليوم لكن حادثة الصباح أضفت توترا زائدا علي تعامل الأجهزة الأمنية مع أعضاء نادي الأدب، لمجرد أن وضعوا لافته تطالب الحكومة ببعض الحريات الديموقراطية علي باب قصر الثقافة.
فخلال دقائق، فوجئ الجميع بانقطاع التيار الكهربائي، وبأكثر من ألف عسكري من الأمن المركزي يحوطون بالقصر ويمنعون الدخول إليه أو الخروج منه، ذلك قبل أن يقتحمه بعنف ضباط أمن الدولة ومخبريهم، و ينتهى الأمر ليس فقط باعتقال أعضاء نادي الأدب بعد علقة ساخنة، بل أيضا بعض باعتقال أعضاء الفرقة المسرحية التي كانت تعرض صدفة تلك الليلة، وبعض الجمهور الذي صادف حضوره مسرح القصر وابدى اعتراضه علي ما يشهده من عنف.

فما حدث صبيحة ذلك اليوم، كان قد اغضب الرئيس غضبا شديدا، جعله يصب لعناته دون حساب علي رؤوس المحافظ وكافة المسئولين ورجال الأمن
ففي بداية زيارته أبدى امتعاضه صراحة من الاستقبال الفاتر الذي لاحظه اثناء مرور موكبه بشوارع بورسعيد من الاستاد حيث هبطت بطائرته الهيلكوبتر، ليركب سيارة مكشوفة حتى مبني المحافظة دون ان يصادف جمهرة او حتى هتاف واحد
، وهو الذي كان يطمح إن تستقبله المدينة كما كانت تستقبل الرئيس الذي سبقه، غير أن أمله قد خاب في أهلها حين فوجئ بالشوارع خالية من البشر إلا من بضع أفراد علي كل جانب ينتظرون العبور بعد انتهاء مرور الموكب الذي فصل طريقه شطري المدينة شمالها عن جنوبها.
و ربما كان الرئيس غاضبا أو محبطا أو متعبا ذلك اليوم، فأناب السيدة الأولى صبيحة اليوم التالي لحضور المهرجان الاحتفالي بالاستاد الرياضي بدلا عنه، فحضرت متأخرة ساعتين كعادة النسوة والزعماء بعد ان مل الجمهور المكتظ به الاستاد منذ الصباح وهو ينتظر حضور الرئيس شخصيا، ويبدوا أنها أفاضت في كلمتها دون أن تدري، في الإشادة بجهود الحكومة وأفضالها علي أهل المدينة وهي تهنئهم بعودة الحياة الطبيعية للمدينة بعد سنوات الحرب، وكأن أثار الحرب قد ازيلت بالفعل،وهو ما أثار غضب الجمهور الحاضر بغالبيته من النساء والأطفال، في وقت يعانون فيه من انقطاع المياة والكهرباء، وندرة الخبز، وأزمة إسكان!
غضبن من كلامها وقمن بفعل لولا أنهن نساء لما تجرأن علي فعلة، وذلك بقذف السيدة الأولي الحاضرة بينهن بثمار الطماطم، وهي طريقة للاحتجاج بدت مستوردة وتحدث لأول مرة، غير أن ذلك ما كن يحملنه معهن بالفعل في أكياس طعامهن، ولا علاقة له بالأفكار المستوردة كما تهكم البعض.

وكنت قد علمت بخبر ذلك الشغب من خلال ثرثرة العاطلين الذين اصطفوا أمام المخزن لصرف الإعانات، وأنا أرقب حالة التشفي الذي يروون به الحادث وكأنه ابتهاج بالثأر لأوضاعهم البائسة، كما لم يزجر أحدا منهم الأطفال الذين جاءوا بصحبتهم أو ينهرهم ، بل ابتسموا تشجيعا لهم وهم يتصايحون من حولهم بأغنية شهيرة حورت كلماتها:
جاب لك إيه يا صبية عبد الناصر لما مات
جاب لي ..... مِ المنوفية اسمه أنور السادات!
ربما لان الاطفال لديهم الشجاعة والقدرة علي التفوه بما لايقدر عليه الكبار.

*******


لاحظت أن عبد العزيز ظل يتحاشاني طوال الأسبوع كي لا يفتح معي الموضوع من جديد، فبالطبع - وكما توقعت- جاءه الرد من مديرية بورسعيد بالرفض القاطع لإلغاء الندب، فالسادات شخصيا هو الذي كان قد قرر ذلك العقاب بنفسه في كلمته للمحافظ وقتها، وقال له بالحرف..( هاتهم لي الوادي ) وكأن بورسعيد لا تتبع وادي النيل .. ابن المس........!

- إيه يا عبد العزيز ؟ قدرت تلغي انتدابي والا كله اونطه ؟
نظر إلي متوجسا، وحين لاحظ أن لهجتي رغم سخريتها لم تكن عدائيه، سألني متعجبا:
- أنت عامل انهي مصيبة في بلدكم ؟ دول مش عايزينك بالمرة !
- أديك كده عرفت، تبقى تسيبني في حالي.. اسيبك أنا في حالك !
- يعني ايه ؟ أنا اعتبر رئيسك هنا.. واللي يسري عليك يسري علي غيرك م الموظفين
- لا.. مش للدرجة دي.. اولا تشيل من دماغك اني جاي هنا علشان اشتغل لان ماليش في الشغل نهائيا ، وثانيا أنا متعود انزل براحتي وارجع براحتي، غير كده لو صممت اني اقعد لك هنا، مش هخلي حد يخرج من باب المديرية إلا بأذن رسمي والا رجلي علي رجلة، ولا هخلي حد يمضي للتاني بعد كده، وحاجيب عاليها واطيها، يعني تنساني أحسن !
وبعدها اصطحبني صالح بخبث إلي مقهى الجمهورية بشارع البورصة بعد ان سبقني ولحقت به كأنها صدفة ، ففوجئت بشلة موظفي المديرية يدخنون الشيشة ويلعبون الطاولة بينهم عبد العزيز وعبد الحميد وآخرون، فعرفت أين يقضون الوقت كل يوم بين العاشرة صباحاً وحتى الثانية عشر ظهرا .

بدا من الصعب على عبد العزيز أن يحتمل كثيرا وجودي معه في المديرية أو المقهى، رغم أنني اصبحت محترفا للأجازات المرضيه منذ نقلت للقاهرة، ولم اكن وحدي كذلك ، فقد كان الكثير من الموظفين في بورسعيد في ذلك الوقت مع بداية المنطقة الحرة يحصلون علي الاجازات لممارسة التجارة واحيانا لتهريب البضاعه ، واصبح معلوما للجميع أن جنيهين فقط كافيين للحصول علي إجازة مرضيه من مفتش الصحة لمدة أسبوع، وخمسة جنيهات تكفي كي تحصل علي أسبوعين، فأصبحت مع الوقت زبوناً دائما لمعاون مكتب الصحة الذي يقوم بختم الأوراق وتسجيلها في الدفتر، وبعد ان يتناول مني المبلغ، يدخل ليحصل علي الموافقة من الطبيب دون أن يراني أو أراه !

أعطي نتيجة الكشف لعبد العزيز فيتهكم:
- حمدلله ع السلامة.. أسبوعين !
- تسلم يا أمير والله كنا محتاجين شهر.
- عيان ؟
- بعد الشر ياراجل.. انا كنت بأصيف وأكل سمك.
ودون أن يعلق، وعلي مضض، يبادر بتسجيل نتيجة الكشف، فهو يدرك تماما إن الأوراق التي أمامه هي سليمة مائة بالمائه ومختومة بصحيح خاتم النسر.


*******

كان رد المديرية الذي سمعه عبد الحميد لدى مقابلة المدير العام ببورسعيد والذي ابلغه لعبد العزيز واضحا وقاطعا ، ولا يحتاج لان يدون في الأوراق:
- يا أستاذ عبد الحميد سيبك من حكاية انه غير متعاون مع زملائه أو فائض عن حاجة المديرية أو لا يراعي مصلحة العمل، ده كله مش مهم، سيبوه في حاله، أنا عارف أن وسط القاهرة مش ناقصة موظفين لكن مانقدرش نرجعه اليومين دول ع الأقل، دي حاجة مش في اختصاصنا ولا في سلطتنا.

ومع ذلك استمرت محاولات عبد العزيز المستترة لمضايقتي، ولم يوقفها رد مديرية بورسعيد، فكان ما في وسعه وسلطته مثلا ان يحاول تعطيل الرد علي طلبي للأجازة المرضية لمدة تتجاوز الأسبوع، حتى أحال إلي القومسيون الطبي العام بعدها بدلا من مفتش الصحة، ويظن انه بذلك يصعب علي الحصول علي الاجازة، وبالفعل كنت أضطر عندها لدفع الفيزيتا والكشف قبلها بيوم لدى العيادة الخاصة لطبيب عضو بالقومسيون معروفه ايضا ان تلك طريقته في منح الاجازات، وهي طريقة كانت مكلفة وتتطلب مشوارين، وليست بسهوله الحصول علي الإجازة من مفتش الصحة، الا انها كانت تسمح بالأجازة لمدة شهر كامل قابل للتجديد، فكنت الجأ اليها بنفسي ايام الصيف.
وبتلك الطريقة حصلت علي أكثر من خمسين يوم أجازات مرضيه خلال الأشهر الاربعة الأولي لتسلمي العمل بالمديرية ، قضيتها في التنقل بين القاهرة وبورسعيد كلما تقاذفني الملل، فلم انتبه لما يدبره عبد العزيز في غيابي لإبعادي عن مقر المديرية طالما لم يستطع إلغاء الندب، فإذ بقرار يصدر أثناء وجودي في بورسعيد، بنقلي من ديوان المديرية إلي مكتب إغاثة حي وسط القاهرة بشارع الجمهورية، وفي تلك الحالة، وطالما ليس لموظف أي كان أن يرفض النقل الداخلي طالما اقتضت حاجة العمل حسب نص القوانين الادارية واللوائح المكتبية، فلم املك مبررا للرفض، وقبلت علي مضض.

سألت صالح وأنا أتسلم منه الخطاب الموجه إلي (مكتب إغاثة وسط القاهرة ):
- هوه فين المكتب ده ؟
نظر إلي متعجبا
- مكتب ؟ أنت مش عارف والا ايه ؟ ها ها.. مكتب ايه يا حبيبي ؟ ده اسمه مستشفى الجمهورية.. تلاقيه قصاد مستشفى صيدناوي.. عنوان مايتوهش.. بس العمارة لجوه شويه.. يعني مش دوغري علي شارع الجمهورية


*******
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مرسي سلطان




سجّل في : 10 مارس 2008
عدد المساهمات : 18
محمد المغربي : 

مُساهمةموضوع: رد: إغاثة الجمهورية   الثلاثاء أبريل 01, 2008 3:25 pm

كلما كانت تصادفني مشكلة تتعلق بالوظيفة، كنت الجأ الي الاستاذ مصطفي مدير الشئون القانونية بالديوان العام.
والاستاذ مصطفي تعرفت اليه صدفة حين ضاقت بي سبل الشكوى فظننت عن جهل ان الشئون القانونية لديها الصلاحية للنظر في تظلمي من قرار النقل المتعسف الذي صدر بحقي، فبعد ان طرقت بابه اجلسني ليستمع الي شكواى، ومع اننا كنا في رمضان، وجدته يدخن وقت ان دخلت عليه، فعزم علي بسيجارة قبلتها، وبعدها دق الجرس وطلب من الساعي اتنين شاي لي وله، وبعد ان انتهيت من سرد شكواي، فوجئت به يوبخني:
- انت الظاهر عليك عايز تقعد جنب امك، انتم جيل خِرع، ماله السادات؟ جابك القاهرة؟ وايه يعني ؟
تعجبت لكلامه ونظرت اليه باستغراب مستفهما عن قصده، فأردف قائلا:
-عبدالناصر اخدنا بمجرد مارجعنا من معسكرات التدريب اللي اتطوعنا فيها زمن الحرب، واللي النظام نفسه عملها سنه سته وخمسين، علي معسكرات الاعتقال دوغري ، وعموما وضعك ده مش من اختصاصي، انت تروح لمحامي وترفع قضية في مجلس الدولة، ومجلس الدوله قضاء نزيه.
وبعد ان امتد بنا الحيث تطرق لشتى المواضيع، ادرك اهتمامي بالادب ، فاخرج من احد الادراج مجموعة قصصية كانت اول الابداعات لكاتب اصبح اسمه معروفا فيما بعد، واراني باعتزاز الاهداء المطبوع الموجه اليه من الكاتب ، وحكى لي انه كان ضمن الطليعة الوفدية اثناء دراسته الجامعية، ويعرف الكاتب من وقتها حين كان لايزال طالبا بالثانوية العامة ، وانه سبق ان تعرض للاعتقال زمن عبد الناصر، ونصحني بان اتبع حكمة ماوتسي تونج، وان احول الاشياء الرديئة الي اشياء حسنة وجيدة، بمعنى ان استفيد من وجودي في القاهرة في تنمية ثقافتي ومعارفي بزيارة المتاحف وحضور الندوات، ولانه كان يحب السينما، ولطفا منه، طلب مني صورة شخصية ليُهديني فيما بعد بطاقة اشتراك في جمعية سينما الغَد والذي كان صديقا وزميل دراسة لمؤسسها، فصرنا نلتقي كل أحد علي باب المركز الثقافي الايطالي، ونمضي معا بعد مشاهدة الافلام في دردشات حول الفيلم او نتطرق الي احاديث السياسة والادب واحوال الحياة.واحيانا كان يرسل الي ساعي مكتبة ليدعوني لديه، فيظن موظفي المكتب انني مدعو للتحقيق، حين اكون مدعو للشاي، وكنت امر علي مكتبه لاسمع نصائحة كلما واجهتني مشكله او قبل اتخاذ اي خطوة تتعلق بالوظيفة، وهو الذي ابلغني بعدم احقيتي في الاعتراض علي أوامر النقل الداخلي حين اتصلت به تليفونيا لأسأله.


*******

فور انتقالي لأول مرة للقاهرة، ولمدة أسبوعين تقريبا ظللت شبه محتجز بإحدى غرف مكتب الأمن بديوان عام الوزارة طوال فترات العمل الرسمي، وكانت تلك الإدارات قد ابتدعت حديثا وقتها في كافة المصالح الحكومية لاستيعاب ضباط الجيش الذين رقوا بعد الحرب، ليتم تسريحهم مباشرة من الخدمة بعد حالة الاسترخاء العسكري
وحين دخلت إلي مدير مكتب الأمن لأول مرة، اخذ يقلب في الأوراق دون أن ينظر ناحيتي – كمشهد مكرر في فيلم مصري -، ثم التفت إلي قد بدت في عينيه عدوانية واضحة تجاهي لم أدرك سببها، واكفهرت سحنته حين أشتم أنني قد أكون من ذوي الميول اليسارية، وبعد إن تفحصني بنظرة عدائية كنظرات ضباط أمن الدولة بدأ في استجوابي، وكأنه مازال يرتدي رتبته النحاسية !
فلم اجبه، وطلبت منه باقتضاب أن يراجع المديرية فيما يريد الاستفسار عنه.
وفي اليوم التالي مباشرة، أرسل لي الموظف تابعه ليدعوني لصلاة الظهر فيما ظننته اختبارا لي وجس نبض:
- أدهم بيه بيقول لك أنت مش ناوي تصلي معانا ؟!
- لا .. صلوا انتوا براحتكم.. و قول له مايشغلش باله
- ياعم مفيهاش حاجة دي ، الراجل عايز يكسب فيك ثواب .. هوه أنت صحيح شيوعي؟
قالها وهو يغلق أدراج مكتبه بالمفاتيح ليلحق برئيسه الذي يؤم الصلاة، وبعد أن تأكد من إغلاقها، نظر إلي وهز رأسه موحيا إلي أنه يحفظ داخله أسرارا هامة، ثم انتظر برهة وكأنه ينتظر إجابة ما، لكني انصرفت عنه لمواصلة تصفح الجريدة.

أصبحت احضر معي بعض الكتب إضافة إلي الجريدة لتمضية الوقت، لكني حرصت علي أن اصطحب معي فقط الكتب التي لا تثير فضول موظفي مكتب الأمن، كالروايات وكتب المشاهير، ومع ذلك، وفي المرة التي أحضرت فيها كتاب الفتنة الكبرى لطه حسين سألني الموظف ( تابع ادهم بيه) بتطفل حين لمح الغلاف:
- هوه طه حسين ده كان شيوعي ؟
- لا.. أعمى !
قلتها وكأني اعنيه هو بالعمى !
.. اوووووف !
كنت قد ضقت ذرعا من المكان إلي حد الاختناق بعد مضي أكثر من أسبوع علي هذا الحال، سألته:
- هوه أنا حافضل لإمتى قاعد هنا امضي حضور وانصراف ؟
- يا سيدي طول بالك.. أهي كلها مكاتب الوزارة.. والا مستعجل ع الشغل ؟ اديك قاعد معانا تقرا كتب ومجلات.. والا تحب تمسك دفتر الوارد أو الصادر ؟ . قالها بطريقه خبيثة .
لكن حادثا غير متوقع أربك مكتب الأمن وعجل بنقلي إلي إدارة شئون العاملين بالديوان، ففي ظهيرة ذلك اليوم دوت عدة طلقات في الساحة الواسعة التي تطل عليها الوزارة وعدة وزارات اخرى ومبنى مجلس الشعب، حيث أتضح من اقتراب الصوت أنها أُطلقت من مبنى الوزارة نفسه، فاندفع الموظف ( تابع ادهم بيه ) ليستكشف ما يجري، ولم ينس قبل انصرافه أن يشير إلي محذرا
-خليك مكانك.. ما تتحركش
قالها بطريقة من يشك في كوني قد أكون شريكا محتملا فيما يحدث !
سُمعت بعدها صوت طلقه داخل المبني أعقبتها صرخات نسائية وحركه من الهرج والركض بدت بوضوح من وقع الأقدام فوق السقف الخشبي للممر ، غير أن الأمر لم يدم غير لحظات قليلة، أعقبها سكون وهدوء، عاد بعدها الموظف ( تابع ادهم بيه ) إلي مكتبه وعلي وجهه علامات الثقة لمن سيطر علي الموقف
سألته:
-جرى إيه ؟
- ولا حاجة.. واحد مجنون، خليك في حالك !
ثم دخل إلي مكتب ادهم بيه، وعاد ليقول لي
- اسمع.. أنت من بكرة حتروح شئون العاملين.

لم امكث طويلا في شئون العاملين،وكنت أفضل البقاء مع الحاج صالح مدير الادارة، الذي كان مهذبا ومتفهما ورقيقا الطبع، عكس من صادفت قبله، فقد كنت قد ألحقت مؤقتا بشئون العاملين تمهيدا لنقلي إلي أي إدارة أخرى وكما هو مفترض "حسب حاجة العمل".

وبالفعل، فبعد ثلاثة أسابيع تسلمت العمل بالمراقبة العامة لحسابات الوزارة بمجمع التحرير، ذلك المبني الكئيب الضخم الراسخ علي قلب ميدان التحرير.

ولكن بعد يومين او ثلاث علي تسلمي العمل، أعيد القبض عليّ ليطول اعتقالي تلك المرة لما يقرب من شهرين.
أرسل لي الضابط يومها احد مخبريه يستدعيني لمقابلته في الردهة:
- العقيد مصطفى بيه عايز حضرتك
ولما أخبرني الضابط بأنه يود اصطحابي، حاولت الاعتراض، فجذبني المخبر الأخر حتى أصبحت محصورا بينهما، و بحركة مسرحية وضع الضابط مسدسه في ظهري بطريقة أثارت فزع الموظفين الذين كانوا يرقبون المشهد، مع إني كنت أكاد اضحك في سري من تفاهة اداء ذلك الضابط الغير متقن، لدرجة جعلته يبدوا كوميديا خالصا !
ومع ذلك، بقي المشهد عالقا في أذهان الموظفين حتى عدت إليهم بعد أكثر من شهرين !
شهرين كان أسوء أسبوع الاول، قضيته في زنزانة انفرادية بمعتقل القلعة بعد ان تم تجريدي من الاقلام والكبريت وحزام البنطلون ورباط الجزمة ومنعت من الحديث مع باقي المعتقلين حيث لم يكن مسموحا لاكثر من معتقل واحد باستعمال دورة المياه في نفس الوقت حسب تقاليد ذلك المعتقل، وعلي الرغم ان الطعام كان لابأس به بالنسبة للسجون وكنت انام علي سرير ، الا انني شعرت بالراحة عندما نقلت فيما بعد الي سجن الزقازيق العمومي لالحق بباقي من قبض عليهم من الزملاء ، وحين وصلت في الظهيرة وجدتهم يلعبون الكرة مع باقي المساجين الجنائيين، فشعرت ببعض الراحة !

*******

كانت مكاتب المراقبة أشبه بخلية النحل علي عكس باقي إدارات الوزارة، فكافة الموظفون بها يعملون طوال الوقت، واحيانا تمتد بهم أوقات العمل لما بعد المواعيد الرسمية، وقد تصل بهم أوقات التأخير إلي ما بعد منتصف الليل كما يحدث عند إنتهاء السنة المالية، ذلك ان صادفهم اختفاء بضع قروش من الميزانية، ويفعلون ذلك بكل الرضا ويتنافسون عليه بروح الفريق ، ونظير ذلك ينالهم الكثير من المكافآت والأجور الإضافية والحوافز وبدل الانتقال أضعاف مايناله غيرهم من موظفي الوزارة، ، فبحكم موقعهم هم العارفين باسرار مطبخ حسابات الوزارة، ولكوني لم ابدي أي استعداد للعمل او التعاون معهم، ظللت غريبا وسطهم وظل الكل يتحاشاني بما فيهم المراقب العام، فكنت أوقع بالحضور في الساعة الميقاتية، ثم أستدير ناحية الاسانسير لأقضي النهار علي مقهى استرا القريب، أطالع الجريدة واشرب الاكسبرسو أو أكل قطعة المكرونة الفرن ، وبعد أن يمضي الوقت، أعود لأوقع في الساعة الميقاتية بميعاد الانصراف.

وبعد فترة قضيتها صامتا لا أخالط فيها احدا من الموظفين، تعرفت علي مختار شاكر، حين اكتشفت انه يختلف عن بقية الآخرين ،فهو لا يخفي شعوره الدائم بالملل واللاجدوى من الوظيفة، وهو الذي كان بطلا رياضيا حاز علي بطولة الجمهورية في الجودو، فكان يكره مثلي المكوث بالمكاتب التي تصيبه بالاحباط ، وحين يسخر من حاله يصف حال الموظفين بانهم فئران مكاتب تقتات الورق وتشرب الحبر وايامهم نسخ كربونية! ، ومع ذلك فهو مضطر للقبول بالوظيفة لحين ان تسنح له الفرصة لتركها، ولكونه يعرف خفايا وسط البلد ومساربها كنت استمتع بصحبته واشجعه علي الزوغان رغم انه كان يحب السير علي الاقدام وكنت افضل الجلوس في المقاهي ، الا انني تعرفت من خلاله علي اماكن ومحلات كثيرة بوسط البلد وعلي الممرات والشوارع التي تختصر المسافات، فكنا ننصرف سويا ونعود سويا، ودون استئذان طالما أن لا احد لن يستطيع ان يعترض علي انصرافي شخصيا، حتى جاء يوم وصارحني المراقب العام بطريقة ودية، بأنه لا يعترض علي انصرافي وقتما شئت شريطه أن لا اصطحب معي موظفين آخرين لديهم عمل يؤدونه، ثم اخبرني انه لامانع لديه من تسهيل إجراءات حصولي علي الأجازات المرضية دون ضرورة لإرسال تلغراف أو خطاب مسجل، وليستريح ويريحني ، فلا أفسد عليه باقي الموظفين، بل من الممكن ان اكتفي فيما بعد بإبلاغه شفهيا أو حتى عن طريق التليفون متى أردت الحصول علي إجازة.
وبالفعل أصبحت لا اقضي بالقاهرة سوى اقل من أسبوع كل شهر، وبقية الأيام اقضيها في بورسعيد، وكلها حسب التقارير الطبية الرسمية، (مريض وملازم الفراش) !
واستمر الحال هكذا لثلاث سنوات، حتى أعلن السادات الثورة الإدارية لتخفيف العبء عن القاهرة، فتقدمت بطلب لإلغاء انتدابي، وبدلا من إعادتي لمقر عملي الأصلي ببورسعيد، فوجئت بنقلي إلي مديرية وسط القاهرة !

*******
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إغاثة الجمهورية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نادى أدب بورســعيد :: عـالـم الســرد :: الرواية-
ارسل الموضوع الجديد   رد على الموضوع